ANP - مظاهرة بسانتياغو عاصمة الشيلي تنديدا بحرب اسرائيل على غزة

علي أنوزلا يكتب : الاحتجاج تضامنا مع غزة عن طريق الفرح.. لما لا؟!

اتصل بي صديق من العاصمة السويسرية برن ليعرب لي عن استيائه من موقف بعض العرب من أسلوب احتجاج  متظاهرين من أمريكا الجنوبية شاركوا في مناسبة للتضامن مع الشعب الفلسطيني، نظمت مؤخرا في جنيف، على إثر الاعتداءات الإسرائيلية الحالية على غزة التي ذهب ضحيتها حتى الآن أكثر من 230 شهيدا و1700 جريحا من بينهم نساء وأطفال في مقتبل العمر.

قال لي صديقي إن بعض العرب الحاضرين في تلك التظاهرات الاحتجاجية التي جمعت جنسيات مختلفة، انبروا بالسب والشتم في حق متظاهرين آخرين من إحدى دول أمريكا الجنوبية لأنهم كانوا يرقصون و يغنون أثناء مشاركتهم في نفس الوقفة الاحتجاجية. فالاحتجاج حسب أولئك الغاضبين، كما أبلغني صديقي، لا يجب أن يكون إلا عن طريق الغضب وليس عن طريق الغناء والرقص خاصة وأن المناسبة لا تسمح لأن الضحايا من القتلى بالمآت والجرحى بالآلاف!

لكن هل من حقنا أن نملي على الآخرين أسلوبهم في الاحتجاج أو الفرح؟ وهل من حقنا أن نفرض نمط تفكيرنا على الآخر؟ ألسنا بذلك نقوم بتنفير المتضامنين مع قضايانا من الوقوف إلى جانبنا خاصة عندما يكون الضحية منا؟

إن لكل شعوب الأرض ثقافاتها في الاحتجاج والغضب والفرح والحزن وحتى في الحداد، لقد تابع العالم بانبهار واحترام شديدين قبيلة الزعيم الجنوب الإفريقي نلسون مانديلا، وهم يرقصون ويغنون في موكب جنازته التي حضرها زعماء أكبر دول العالم وتابعها الملايين في بقاع الأرض عبر شاشات النقل المباشر. فالرقص والغناء يدخلان في صلب ثقافة الشعوب الأصيلة في افريقيا، يستعملان للتعبير عن الفرح والحزن وحتى في الحروب. فحتى ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي كانت المظاهرات الصاخبة تخرج من أحياء السود في  ضواحي جوهانسبورغ  على أنغام "الطام طام" الراقصة بمصاحبة الصوت الشجي للمغنية الكبيرة مريام ماكيبا. وفي أمريكا اللاتينية دأبت شعوبها على الاحتجاج على عزف القيثارة المكسيكية، وإيقاع التانجو والصالصا الراقصة أثناء حكم العسكر في الأرجنتين والبرازيل. وتحت حكم دكتاتور دموي مثل أوغستو بينوشيه، اخترع المتظاهرون أسلوبا بديعا في التظاهر عن طريق النقر على طناجر الطبخ!

ثقافة الاحتجاج تختلف من شعب إلى آخر. وفي الثقافة العربية ارتبط الاحتجاج دائما بالغضب منذ عصر الشعر الجاهلي حيث كان الغضب عنوانا للعزة والفخر والثأر، وتعبيرا عن الفروسية والرجولة والشجاعة. وفي شوارع العواصم العربية مازالت التظاهرات الصاخبة تصرخ "بالدم بالروح نفديك يا شهيد"، أو "لن نركع أبدا لن نركع.. لن يرهبنا صوت المدفع".. رغم أن المتظاهرين يبعدون آلاف الأميال عن ساحة العركة! وغيرهما من الشعارات التي تصور العربي كمتعطش للدم ومتحفز للقتال، وهو ما يشوه قضاياه العادلة وينفر شعوبا مسالمة من التضامن معه. أو ليس هذا هو هدف الدعاية الصهيونية التي تصور الفلسطيني كإرهابي، وهو المحتلة أرضه والمضطهد شعبه والمصادر مصيره؟!

نحن ننسى أن الغضب، هو قبل كل شئ، شعور إنساني راق، يختلف من ثقافة إلى أخرى بل ومن شخص إلى آخر. ومن حق كل واحد منا أن يعبر عن غضبه بطريقته الخاصة، لما لا ونحن نرى الفلسطينيون أنفسهم كيف يعبرون عن غضبهم وهم القابعون ما بين القصف والموت، عندما تزغرد النساء في مواكب جنائز الشهداء، ويحمل الأطفال شارة النصر فوق ركام بيوتهم وهو يرسمون ابتسامات الأمل على شفاههم الصغير. وقبل هذا وذاك، أليست غزة صامدة وشعبها يقاوم؟ فلنعبر عن فرحنا قبل غضبنا بغزة.. مدينة المقاومة والكرامة والشجاعة والشهادة..