Foter - هناك موت ينتظرنا في آخر نفق العمر، عندما يحين الأجل. وهذا الموت، بوصفه ظاهرة، هو عكس الولادة وليس عكس الحياة.

مجد العماري يكتب: الموت في سبيل أي شيء يُفقد الموت روعته

هل الموت رائع؟ كيف يكون المجهول رائعاً؟ هناك موت ينتظرنا في آخر نفق العمر، عندما يحين الأجل. وهذا الموت، بوصفه ظاهرة، هو عكس الولادة وليس عكس الحياة.  قد يتراوح بين الاضمحلال التام للوعي الشخصي عند من عاش حياة خالية من كل قيمة معنوية ذاتية، وبين حالة انعتاق للوعي الفردي من محدودية الجسد.

هناك من يسأل: هل هناك من عاد، وأخبرنا بما حصل له بعد الموت ؟

طبعًا هناك! لكن هذه قصة أخرى...

وجودنا، على جميع المستويات، هو تأليف خلاق بين الحياة والموت: في كل لحظة تموت في جسمنا ملايين الخلايا، وتولد ملايين أخرى بدلاً منها. هذه الحقيقة العلمية يسهل علينا أن نعترف بها، لأنه لا يصعب علينا أن نقر بأن الجسد ميت. أما الاعتراف بأن الأمر ذاته يجري على مستوى النفس، وبأن نفسنا في تذبذب دائم بين الحياة والموت، فهذا ما قبل لنا بالاعتراف به، لأننا متمسكون بصورة ثابتة عن شخصيتنا الحالية. متشبثون بـ"أنا" الرهيبة التي نتوهم أن الكون يدور حولها! فكيف نذعن لفقد صورتنا عن نفسنا، بكل ما بنينا حولها من متاريس؟ وكيف نقبل أن يأتي الموت ويسلبنا أعز ما نملك: أنا؟  لذا نفضل أن نحتفظ بصورتنا عن أنفسنا ونتماهى معها، بكل آمالها وآلامها، بكل جروحها وندوبها ومخاوفها، على أن نقر بوهمها ونعزو إليها سبب شقائنا كله.

خوفنا الحشوي من الموت ناجم مباشرة من هلع الأنا– صورتنا عن نفسنا– أمام واقع اضمحلالها بعد الموت. ومنه نشأ مفهوم الخلود. لذلك عمد البشر إما إلى حياكة سيناريوهات معقدة عن بعث الموتى والنشور تسكّن من روع نفوسهم، وتصور لهم خلودًا في آخرة مفترَضة على غرار الحياة الأرضية، لكنْ بملذات مضاعفة عشرات المرات، وإما إلى إضفاء هالة من العظمة والقداسة على موت الأبطال في سبيل قضايا جليلة، بحيث تبقى ذكراهم مخلدة في ضمائر الناس، وإما إلى ابتكار مزيج عجيب من الاثنين فيما يُعرف بالشهادة..  وأنتم تعرفون تفاصيل القصة.

أما الموت- الموت الحقيقي الذي لا موت سواه والذي يمكن له أن يتم من الآن- فهو تقويض لا رحمة فيه لأسوار الأنا ورؤية وهمها. والإنسان إذ يتحلى بالشجاعة على هذه المواجهة القاسية لنفسه على حقيقتها ويرتمى في المجهول، من غير براقع ولا صور ولا تماهيات، يموت عن هذه الأنا ليحيا بالكل،  كأنه إناء قد انكسر، فتحرر الهواء الذي كان محتجَزًا بداخله وتلاشى في الجو..حين ذاك يكتشف الإنسان أنه كان من قبل ميتًا في حياته، وصار الآن حيًا في مماته.

أجل، الموت بهذا المعنى رائع، لأن فيه الحياة كلها!