مدن الخوف.. وثائقي ليبي جريء عن الحرب

"علينا أن نحافظ على وحدة ليبيا، لأنه لا توجد أرض أخرى غيرها  قد تسعنا جميعاً"، هكذا يتحدث أحد الضيوف في الفيلم الوثائقي "مدن الخوف".

بني وليد، سرت، وتاورغاء، هي "مدن الخوف"، التي يتناولها الفيلم، والذي يعتبر أول فيلم وثائقي ليبي مطول يُنجر عن حرب ليبيا ومخلفاتها. يتناول الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي لهذه المدن التي كانت تؤيد نظام القذافي أثناء الحرب. كل مدينة من المدن الثلاثة مرت بظروف خاصة أثناء الحرب وبعدها. "سرت، عوملت كغنيمة. بني وليد، تم إخضاعها لقرار 7 بعد التحرير، الصادر عن المؤتمر الوطني، لشن الحرب عليها. تاورغاء تعاني حالة نزوح مستمرة، وأصبحت كمدينة الأشباح خالية على عروشها"، هكذا يصف المدنَ الثلاث، عاطف الأطرش، مخرج ومنتج الفيلم.

يتناول الفيلم الجانب الإنساني بالخصوص في مدن الخوف تلك، وقد اعتذر عن المشاركة به سبع محامين. وكان الحقوقي سميح الأطرش، الوحيد الذي تشجع ليكون الضيف الرئيسي في الفيلم. يشرح سميح الأطرش قضية كل مدينة وطرق المعالجة، ويقدم في النهاية رسالة لليبيين فحواها أن العدالة لا تتحقق إلا بتقديم المذنب ومحاكمته.

cities of fear--Trailer مدن الخوف

يوجه الفيلم رسالة لليبيين للحفاظ على وحدة ليبيا والتخلص من منظور المدن المنتصرة والمدن المهزومة. يقول الأطرش: "نحن شعب واحد ولا نريد أن نربي أحقاداً مع أحد، وقد رفعنا شعارات مثل العدالة الاجتماعية والمصالحة والحوار والديمقراطية والحرية، وهي مبادئ سامية لا يجب أن نشوهها بممارسات عدائية ضد بعضنا، بسبب خلاف في الرأي أو التوجه".

مدن الخوف

سرت، "مخطوفة مثل درنة"، هكذا يقول عنها عاطف الأطرش. عانى الأطرش وزميلاه محمد الذيب- مصور الكاميرا ومساعد المخرج والمنتج- وعلي الحوثي- المكلف بالعلاقات العامة- من تضييق في الحركة أثناء التصوير،  مارسته المليشيات الموجودة.

في بني وليد، خاف وجهاء ومشايخ المدينة من المشاركة في التصوير، كانوا خائفين من النتائج الوخيمة- إن تحدثوا- على أبنائهم السجناء لدى المليشيات.

في تاورغاء، كان الخوف هو الهاجس الأكبر، "في مصراته، توجسوا أننا قد نتناول القضية بشكل مضاد لهم، وفي المقابل، خاف التاورغائيون في المخيمات من أن نكون مدسوسين من طرف مصراته للتجسس عليهم"، يقول الأطرش.

"مدن الخوف"،  فيلم وثائقي يجسد الخوف الذي يسود ليبيا بسبب انعدام الأمن والأمان، بشكله العميق المتجذر داخل نفوس المواطنين. يقول محمد الذيب ، مؤكداً ما حكاه عاطف الأطرش عن العراقيل التي واجهوها في التصوير بسبب خوف الناس: " كنا نرى كلاماً كثيراً في عيون الناس، وخوفاً أكبر يمنعهم من الكلام". يحكي الذيب أن زعيم ميليشيا في مدينة سرت، جاء بشخصين وقال لهم: حاوروا هذين أفضل ممن لديكم". وكانت الكاميرا تدور دون أن يعرف زعيم الميليشيا، الذي كان يسرد على الشابين: "قولا: ثورة مجيدة.. قولا: ثورة مباركة.."،  وهي لقطة استخدمت في الفيلم.


"مدن الخوف"، اسم مقتبس من ديوان عبد السلام المسماري الذي اغتيل في بنغازي العام الماضي. كان صديقاً مقرباً للأطرش الذي حزن عليه حزناً كبيراً، فاختار لفيلمه هذا الاسم، تكريماً له وتخليداً لذكراه، خصوصاً وأن كل من يتحدث في الفيلم، يذكر كلمة الخوف. وقد استعان الفيلم بمشاهد عن الحرب من الأرشيف العام ومن أرشيف محمد الذيب الخاص.

تجدر الإشارة إلى أن الإعلامي عاطف الأطرش، أقام معظم حياته خارج ليبيا، لكنه ظل متابعا للمشهد الليبي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. "وأدرك تماما أننا كنا في ظل حكم ديكتاتوري حاول أن يُفشل كل معالم الحياة المدينة في ليبيا"، يقول الأطرش الذي كان قد أصبح مدوناً معروفا وكاتبا على المواقع الليبية المعارضة للقذافي في المهجر. في العام 2000 عاد إلى ليبيا، وبعد انطلاق ثورة 17 فبراير بيوم واحد فقط، اعتقل من طرف رجال القذافي وظل في السجن ستة أشهر كاملة إلى أن حرره الثوار في أغسطس، يوم تحرير طرابلس.

يقول الذيب إنه والأطرش يحاولان إيصال رسالة للمشاهد، فحواها أن الثورة كانت مرحلة قصيرة وانتهت، ويجب الخروج من دوامتها للمضي قدماً، "لي أصدقاء لا يزالون يعيشون حمية ثورة 2011، ولا يستوعبون أن الثورة كانت مرحلة ومرت وانتهت. وهذه مرحلة أخرى. دعوتهم ليشاهدوا الفيلم في المونتاج.. كثيرون قالوا بغضب: لماذا تصورون هذه المدن وكأنها مظلومة؟".