سوريا: الحرب تحول منزل اسمهان لثكنة عسكرية

دمشق: موفق مسعود- في مدينة السويداء جنوب سوريا، تحول منزل الفنانة اسمهان إلى ثكنة عسكرية. يقف على بوابته الآن حارسان من الدفاع المدني، أو ما  يسمى (الجيش الشعبي)، والذي يعتبر رديفا  للجيش السوري النظامي. الجنود يتوزعون في ردهاته، وبعضهم يتشمس على شرفاته، وثمة ملابس داخلية منشورة في الحديقة الخلفية للمنزل.

يعود تاريخ هذا البيت الأثري لبداية القرن الماضي، وقد بني على الطراز الفرنسي التقليدي إبان الانتداب الفرنسي على سوريا، وذلك تحت إشراف الفنانة اسمهان التي افتتحته في ثلاثينيات القرن الماضي بحفل فني كبير. أقامت اسمهان في بيتها تسع سنوات.

ومع أن التصريحات السورية الرسمية منذ سنوات، تؤكد تحويل البيت إلى متحف فني، إلا أن واقع الحال، هو تحويله إلى ثكنة عسكرية للجيش الشعبي.

ذاكرة مصادرة

يقول المدرس المتقاعد أبو حازم : "فيما يخص اسمهان وفريد الأطرش وفهد بلان وغيرهم من الفنانين الذين أغنوا ذاكرة الشعوب العربية، فإن التجاهل يطالهم لكونهم لم يعاصروا أو يغنوا للحزب القائد. ويأتي إهمال منزل الفنانة اسمهان تحت هذا الباب".

ويضيف أبو حازم بقوله: "في السويداء تراث فني وموسيقي غني، ولا نستغرب التجاهل الذي يتعرض له هذا التراث. لا بل تعرض هذا التراث للسطو من قبل مؤسسات الحزب الحاكم، حزب البعث، ومنظمة طلائع البعث، حيث جرى تحويل بعض الأغاني التراثية الهامة، إلى أهازيج تمجد الحزب القائد، عبر السطو على اللحن، وتحريف الكلمات".

ذاكرة متوجسة 

قلة من الشبان ما بين عمر 15  و18 عاماً، من أبناء المدينة، عرفوا تاريخ البيت الفني، حين تم توجيه السؤال لهم، وأبدى بعضهم تحفظاً في الحديث عن أي مكان له علاقة بالسلطة أو العسكر. يقول وسام، عازف العود (17عاماً) : "بالتأكيد أعرف اسمهان من خلال أغانيها فقط.  وأعرف أنها من مدينتي، لكن أين كانت تسكن، وكيف عاشت في هذه المدينة، فهذا ما لا أعرفه".

أما نور، طالبة الصولفيج الغنائي، فتقول : "ليس بيت اسمهان فقط، هناك الكثير من الأماكن الأثرية التي يجب أن يتم الإفراج عنها، كالقلعة والآثار التي تم ردمها على الطريق المحوري، نشعر كشباب بالتوجس من الحديث في مثل هذه الأشياء، وأنا أشعر بالعدوان على ذاكرتي طالما بقي بيت اسمهان رهن المصادرة".

"يا طيور"ذاكرة مضادة

في أحد المقاهي الثقافية الشبابية، (مقهى نزل السرور) يجتمع الشباب في جلسات عزف وغناء، مصطحبين معهم آلاتهم الموسيقية إلى المكان الذي ألفوه. وللوهلة الأولى، عندما يعزف بعضهم على الجيتار ويغني بعضهم باللغة الإنكليزية والإسبانية، ويعزفون مقطوعات الفلامنكو، يتكون انطباع مبدئي لدى المراقب، أن ذاكرة الشباب لا تمت بصلة إلى التراث الموسيقي لهذه المدينة. ولكن فجأة يتفرد عازف العود الشاب (عمر) بتقاسيم شرقية مدهشة، ثم يصدح صوت شابة بأغنية "يا طيور" للفنانة اسمهان. فيعم المقهى صمت نادر ويصغي الجميع، بطقس مهيب، يوحي بأن ثمة ذاكرة مضادة للمصادرة، يحتفظ بها شباب المدينة في أعماقهم.

في السيارة التي تقلني إلى السويداء وحين اقتربنا من منزل الفنانة اسمهان، أسأل أحد المواطنين، الذي يجلس بجانبي عن مأساة المنزل الجميل، فيقول بلهجته المحلية: "هذا بيت العز يا خيي، لكن بيت العز يسرح ويمرح فيه جنود".

ثم يوشوش في أذني: "الجنود عابرون، والبيوت بأساساتها".