معتقل سوري: الجثث في حمامات المشفى

هولندا: رولا أسد- سنة وستة أشهر قضاها مازن حمادة بين زنزانته المنفردة، وأقبية المخابرات الجوية ثم سجن دمشق المركزي، مع زيارة قصيرة لمشفى"601"  العسكري غربي دمشق،  الذي كاد يجن فيه، من شدة الفظائع هناك.
وصل مازن لهولندا ولازالت الكوابيس ترافقه، خليط من أصوات راجمات الصواريخ، صور عن الدمار الحاصل بعد قصف الطائرات، ووجوه زملائه في المعتقل.


بالضرب والركل والشتم مع وضع عصبة على العينين، تم استقبال مازن في فرع المخابرات الجوية آذار 2012، وجه المحقق سهير التهمة له بقتل جنود من الجيش النظامي، والهجوم على الحواجز العسكرية، وحيازة سلاح، بالإضافة لدعم جماعات إسلامية مسلحة، حاول أن يفهمه أنه ناشط سياسي لا يحب القتل: "قلت له ممكن أن أعترف أنني قمت بتصوير المظاهرات، والمشاركة في تشييع القتلى، ومراسلة قنوات إخبارية باسم مازن الديري، حين دخل الجيش الحر أحد فصائل المعارضة السورية العسكرية المدينة، لكنه لم يكن يسمعني".

في كل جولة لمحاولة إقناع المحقق، بأنه لم يحمل سلاحاً في يوم قط، كان يتعرض فيها لضرب مبرح، وللشبح (التعليق من الأيدي أو الأرجل إلى سقف غرفة التحقيق)، ولوضع حذاء عسكري في فمه.

يقول مازن: " كانوا أيضاً يطفئون السجائر على رجلي، ومن ثم يشعلون سيجارة أخرى، ويضغطون عليها لتذيب الجلد".
أخبره الجلادون في غرف التحقيق  ما ينتظره من وسائل تعذيب متقدمة، إذا  لم يعترف بالتهم الموجه له، كالزيت الحار، الماء الساخنة، والشلمون (أداة تستخدم للحام الحديد)، لكنها تستخدم لحرق جلود المعتقلين في سوريا.

يقول مازن: "حينها اعترفت بكل ما طلبه مني المحققون. لم أعد أحتمل التعذيب، كنت أعيد كل عبارة يطلبوها مني حتى أتخلص من التعذيب.  يقول: لي أنت حملت سلاح، أهز برأسي موافقاً، يقول أي سلاح؟ أجيب: بمب أكشن!، يقول لي: لا قل بندقية روسية، فأعيد: روسية".

"لم أعد أخاف من الموت"

تتداخل قصص الموت في حديث مازن عن الطبيب أنس العظمة الذي مات نتيجة لنزيف داخلي داخل السجن، لعدم تلقيه العلاج.

مات الكثيرون نتيجة لنقص الدواء، أو جراء الاختناق، أو التعذيب الشديد أو بسبب الأحكام الميدانية.

يقول مازن : "كنا مايقارب  200 معتقل بلباسنا الداخلي فقط، حين طلب أحد السّجّانين، من عشرة أشخاص الجلوس، بعدها طلبوا من عشرة معتقلين آخرين الجلوس فوقهم. كان هناك كبار في السن طلبوا منهم الجلوس في آخر الصف، ومن ثم أغلقوا الأبواب وأطفأوا الكهرباء، في اليوم التالي كان هناك من فارق الحياة. كنا نحاول سحب من تسوء حالته نحو الباب. حيث يوجد شق صغير عله يحصل  على بعض الهواء. طلبنا المساعدة، فصرخ السجّان أنه يجب أن نقرع باب المهجع  فقط حين يموت أحدنا. لقد كان يموت واحد منا كل يومين تقريباً". ومن حينها يقول مازن " لم أعد أخاف من الموت".

السجن أرحم من المشفى

في منطقة المزة غربي  دمشق يقع المشفى 601 العسكري. كان لمازن زيارة قصيرة لها، بعد أن ساءت حالته الصحية. أعطي رقم "1858" عوضاً عن اسمه حتى لا يعرفه أحد. يقول: "منذ لحظة وصولي، ورغم أني مريض، ومحمول على نقالة، إلا أني تعرضت للضرب الشديد، وكمية كبيرة من الشتائم، التي لا يمكن الخوض فيها".
في المشفى قيّد إلى السرير، يقول: " أردت الذهاب إلى المرحاض فوجدت 5 جثث على الأرض، أسرعت لمرحاض آخر، وجدت أيضاً جثث متفسّخة، أردت الذهاب إلى الحمام، لأغسل وجهي فوجدت جثة لشاب".
يضيف مازن: "معتقل كان معي في أحد الأقبية، هو من مدينة داريا كان يعمل في المستشفى، في مرحلة سابقة، أخبرني عن سجانين يعملان في المشفى. لقب الأول عزرائيل والثاني لقبه أبو جاكوش. شخصان مهمتهما القضاء على المعتقل المريض جداً".

يضيف مازن: "يأتيان بعد الساعة الثانية عشرة ليلاً، ويسألون عمن يشعر بألم شديد، كان البعض يرفع يده ظناً أنه سيحصل على رعاية إضافية. بأجواء مسرحية يلقي أبو جاكوش كلماته الأخيرة على الشخص المختار بأن المحكمة الإلهية حكمت عليه بالموت، وبعصاة منتهية بدبوس يبدأ الضرب على الرأس حتى الموت، تحمل الجثة وترمى في الحمام".

عاد مازن من كابوسه هناك، وأخبر باقي المعتقلين عن مشاهداته. وتحدث عن بعض المعتقلين الذين يتذكرهم، والذين ذهبوا إلى المشفى ولم يعودوا منه.

يضيف مازن: "البقاء في سجن المخابرات الجوية المميت، كان أرحم من الذهاب إلى "601".

عمر مازن الآن 36 عاماً. ترك عائلته في مدينة دير الزور وسط سوريا، وهرب من الموت على حد وصفه. وصل إلى اليونان عبر قارب في البحر قادماً من لبنان، ثم أكمل رحلته في شاحنة إلى ملجئه الأخير في هولندا.