يوم التعليم.. وأولوية الاستثمار بالموارد البشرية

لا مجال اليوم أمام الدول كافة، ومن بينها الأردن، سوى إعادة النظر في أولويتها، ليكون التعليم البوابة الرئيسة لإحداث التنمية، عبر تمكين الموارد البشرية بالمهارات المستقبلية والاستثمار فيها، بالإضافة لوضع الخطط التنفيذية الفاعلة، لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، خصوصاً أن التعليم هو أحد أهدافها، بل هو المحرك الرئيسي لتحقيق باقي الأهداف.

هذا الحديث يأتي تزامناً مع اليوم الدولي للتعليم الذي يصادف 24 كانون الثاني/ يناير من كل عام، حيث اختارت الجمعية العامة للأمم المتحدة شعار هذا العام بـ"إيلاء الأولوية للتعليم كوسيلة للاستثمار في البشر"، تأكيداً على توظيف التعليم كأداة للاستثمار بالموارد البشرية.

وبلا شك، فإن التعليم أداة فاعلة في قياس تقدم الأمم، نظراً لدوره الأساسي في النهضة البشرية، باعتباره البوابة الرئيسة للاستثمار في البشر، وهو القادر على إحداث التغير النوعي والجوهري في حياة الشعوب في مختلف مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية كافة، فضلاً عن أن رأس المال البشري عصب الاقتصاد ومحركه الأساسي.

اللافت أن الواقع التعليمي مضطرب في دول عربية كثيرة، فقد جاءت جائحة كورونا والأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة لتزيد من متاعب القطاع المنهك أصلاً من ضعف التمويل وعدم تطوير المناهج التربوية، ناهيك أيضاَ عن تفاوت التعليم بين الدول العربية.

وفي حين يطالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بـ"إيجاد نظم تعليمية يمكنها دعم المجتمعات المتساوية والاقتصادات الدينامية والأحلام غير المحدودة لكل متعلم في العالم"، تشير الأمم المتحدة إلى أن "التعليم يمكن من الحراك الاجتماعي والاقتصادي الصاعد، وهو وسيلة مهمة للهروب من الفقر".

وعلى مدى العقد الماضي أُحرز تقدم كبير في تسهيل الوصول إلى التعليم ومعدلات الالتحاق بالمدارس عالميا على جميع المستويات، لا سيما للفتيات، بحسب الأمم المتحدة، ومع ذلك، فإن نحو 260 مليون طفل كانوا لا يزالون خارج المدرسة في عام 2018، وهم يشكلون ما يقارب خمس سكان العالم في هذه الفئة العمرية.

دع عنك كذلك؛ أن أكثر من نصف الأطفال والمراهقين حول العالم لا يتوفر لهم الحد الأدنى من معايير الكفاءة في القراءة والرياضيات، حسب بيانات الأمم المتحدة، إذ تلقت الدول حول العالم ضربة قاسية من كورونا، ففي عام 2020، ومع انتشار الجائحة أعلنت غالبية دول العالم عن الإغلاق المؤقت للمدارس، مما أثر على أكثر من 91 % من الطلاب، وفق الأمم المتحدة، وبحلول شهر أبريل 2020، فإن ما يقارب 6,1 مليار طفل وشاب كانوا خارج المدرسة. وكان على 369 مليون طفل يعتمدون على الوجبات المدرسية أن يبحثوا عن مصادر أخرى لغذائهم اليومي.

عربياً؛ فإن مجموعة الأزمات التي عانت منها الدول العربية من كورونا إلى أزمات سعر الصرف، والأزمات الاقتصادية، وصولاً إلى المشاكل الاجتماعية، أثرت على القطاع التعليمي بشكل كبير، وتسببت في تسرب مدرسي، وزيادة مستويات الفقدان التعليمي.

كما أن النزاعات المستمرة والفقر والحروب والاقتصاد المتدني كلها أسباب جعلت نسب هروب الأطفال من الدراسة في تزايد مستمر، بالإضافة لعدم وعي الأسر بأهمية التعليم وبالتالي لا يجد الأطفال الدعم من أسرهم لدخول المدرسة أو مواصلة تعليمهم.
 
ووفق إحصاءات عالمية؛ يتبين أن نسبة الأطفال الذين حرموا من التعليم التمهيدي (روضة) هم 39.7%، والذين لا يتمتعون بالتعليم الأساسي نسبتهم 70.1% والثانوي 37 %. أما أردنياً فقد بلغ العدد التراكمي لعدد المتسربين في المرحلة الأساسية خلال تسع سنوات فقط في الفترة (2011-2019) ما عدده (43961) طالب وطالبة (22715 طالب، 21405 طالبة).

هذه الطروحات، يقابلها اليوم ضرورة تخصيص جزء أكبر من الموازنات العامة لصالح قطاع التعليم، فالدول التي قامت بنهضة اقتصادية وتنموية هي تلك التي استثمرت بالتربية، لذا يجب أن يكون تركيز الدول العربية على تمويل القطاع التعليمي وتطويره.

ومطلوب أيضاً الحفاظ على تعبئة سياسية قوية حول التعليم ورسم الطريق لترجمة الالتزامات والمبادرات العالمية إلى أفعال، وإعطاء الأولوية للتعليم لتسريع التقدم نحو تحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة على خلفية الركود العالمي وتزايد عدم المساواة وأزمة المناخ.