إيليا زريق.. نظرة جديدة نحو الذات والآخر

بلا منازع، يمكن اعتباره واحداً من أهم علماء الاجتماع الفلسطينيين والعرب، وجزءاً من كوكبة كبيرة من علماء الاجتماع الفلسطينيين الذين ساهموا في تشكيل نظرة جديدة نحو الذات والآخر، وعملوا على إعادة بناء السردية الفلسطينية بشكل علمي وأكاديمي يعتمد كل الأسس الحديثة لكتابة التاريخ، من الوثيقة إلى الرواية الشفهية والسرد وغيرها من المصادر التاريخية الأخرى، بهدف وضع السردية الفلسطينية في قالب علمي عصري وموثق تدحض من خلاله سردية العدو الزائفة.

ذاك هو الكاتب والباحث والأكاديمي الفلسطيني، إيليا زريق، الذي رحل عن عالمنا الإثنين، 16 كانون الثاني/ يناير 2023، عن عمر ناهز 84 عاماً، والذي توزعت اهتماماته البحثية، على مجالات مختلفة تتعلق بسوسيولوجيا المجتمعات الاستيطانية الكولونيالية وأنماط المراقبة ودراسة المجتمع الفلسطيني، حيث أصدر عدة كتب مهمة، منها "الفلسطينيون في إسرائيل: دراسة في الاستعمار الداخلي" (1979)، و"اللاجئون الفلسطينيون والعملية السلمية" (1996)، الذي سعى من خلاله إلى معالجة مسألة اللاجئين الفلسطينيين عبر توفير معلومات أساسية عنهم، ودراستها في إطار علم القانون وعلم الاجتماع.

شغل زريق الحاصل على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع من "جامعة إسيكس" بإنكلترا، مناصب أكاديمية مختلفة منها منصب أستاذ زائر في "معهد الدوحة للدراسات العليا – مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني" منذ عام 2017، وأستاذ فخري في علم الاجتماع في "جامعة كوينز" في أونتاريو بكندا منذ عام 2005. وهو أيضاً الرئيس السابق لقسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في "معهد الدوحة للدراسات العليا".

فيما شارك الراحل كذلك في تحرير عدة كتب، منها: "الملاحقة والسيطرة في إسرائيل/ فلسطين: السكان، الأرض، والقوة" (2011) و"المراقبة وحفظ الأمن على الصعيد العالمي: الحدود والأمن والهوية" الذي حرره برفقة مارك ب. سالتر، وصدر عن سلسلة "ترجمان" في "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" عام 2021. كما قدم العديد من الدراسات والأبحاث التي نُشرت في دوريات علمية مختلفة.

وعلى مدار أعوام، اعتبر زريق واحداً من أبرز الأسماء الأكاديمية المنشغلة بحثياً في فلسطين والحالة الاستعمارية فيها، والتي كتب وحرر عنها عدة كتب، بالإضافة إلى عشرات الدراسات والمقالات البحثية التي تناولت الحالة الاستعمارية في فلسطين، إلى جانب اهتمامات أخرى.

يقول زريق في إحدى حواراته : "بصورة عامة الدراسات لا تحرر الشعوب المستعمرة، لكنها تلقي ضوءاً عليها وعلى كفاحها، هنالك تغيير بعض الشيء، الأدب الفلسطيني والأدب النقدي الغربي الذي ينتقد إسرائيل، إذ هنالك تقبل له أكثر مما مضى، أنا كنت أواجه مصاعب في نشر كتابي الذي عنوانه تصرف إسرائيل الوحشي، قبل 40 أو 50 سنة لم يكن هنالك أحد يسمعني، الآن هنالك تقبل لوجهة النظر هذه".

يغادرنا زريق بعد اليوم بعد سنوات طويلة من الإنتاج المعرفي المستمر عن فلسطين وحالات أخرى في العالم، تاركاً إرثًا كبيراً وراءه، ومساهماً في فتح المجال لحضور فلسطين في المؤسسة الأكاديمية من خلال عمله الرصين والجاد والملتزم.