لمن لا يعرف عدل عمر!

لا يختلف اثنان على أن عمر بن الخطاب ذخر كبير من ذخائر التاريخ البشري، ومثل رفيع جداً لكل من تحدثه نفسه أن يكون حاكماً عادلاً نزيهاً لا يعلق به شائبة، وهو أيضاُ في المقابل صاحب الدور الاستثنائي في تاريخ الدولة الإسلامية في مراحلها الأولى.

قبل أيام عديدة تابعت مسلسل "عمر"، الذي أخرجه الراحل حاتم علي وكتبه الأكاديمي والكاتب الدرامي الفلسطيني، د. وليد سيف، لأجد عمل درامي متكامل ومتعمق في الشخصيات والأحداث التاريخية والمفاصل الحيوية التي تبعت دخول الإسلام.

وعدا عن كون المسلسل يمثل نقطة وقفزة قوية في مجال الدراما العربية، فإن هذا العمل أعد إعداداً جيداً ومدروساً من كتابة السيناريو والحوار والإخراج وحتى التنفيذ والإنتاج، ولعله كذلك كان رداً قوياً على الروايات التي أساءت للتاريخ الإسلامي.

لهذا يمكن القول إن المسلسل بمثابة خطوة رمزية كبيرة تأتي في سياق شرح التاريخ الإسلامي شرحاً دقيقاً يفند ادعاءات المغرضين، كما أنه استطاع أن يقدم مثالاً رائعاً للمسلم الصحيح القوي المؤمن، إذ إنه يبرز الأهمية القصوى لاستلهام شخصية استثنائية من عصر الرسالة التأسيسي كشخصية الخليفة العادل عمر بن الخطاب؛ ليكون مرجعاً مرشداً وهادياً في عصرنا هذا.

وقبل الخوض في تفاصيل عبقرية عمر وفطنته، من المهم العودة لقول كاتب العمل د. وليد سيف، الذي لفت في إحدى حواراته إلى أن "الجهد الذي بذلته في القراءة والتدقيق والبحث لبناء الأحداث والحبكة الدرامية وتنوع الشخصيات، أرهقني ونمت بسببه في المستشفى، فقد حاولت أن أبين في المسلسل القيم الاجتماعية سواء في الجاهلية أو في الإسلام ".

وعمر؛ ذاك الفاروق التي اتسمت شخصيته بصفات كاريزمية أهلته لأن يكون أحد أهم المؤسسين للدولة والحضارة العربية والإسلامية، فضلاً عن أسلوبه الذي طغى على طريقة حكمه، وأبرزها العدل والمسؤولية والأفق الاستراتيجي، وهو مجال خصب لدراسة "رجل الدولة" في شخصية عمر.

أما الجانب الثالث من هذه الشخصية الثرية؛ فهو شخصية المجتهد والمجدد والمفكّر والقارئ للنص القرآني قراءة عميقة وجريئة وسمت عقليته الفقهية بشكل ما تزال تفتقر إلى الدراسة الكافية، والتي تصلح في عصرنا مدخلاً أساسياً لإصلاح الفكر الديني ومناقشة مسائل أساسية في جدل النص والواقع، يعوق عدم الاقتراب منها سبيل تقدمنا ونهضتنا، خصوصاً أن تلك المقاربات لم تكن تجديفاً، ولا بعداً عن روح الإيمان، ويكفي هنا شهادة الرسول الكريم بحقه: "ما سلك ابن الخطاب فجاً إلا سلك الشيطان فجاً آخر".

وما أصدق كتب التاريخ المليئة بالقصص التي تدل على عدل الفاروق وقوة شخصيته، وهي غزيرة بالأمثلة التي تظهر دوره الكبير في اتخاذ القرار في تأسيس الدولة الإسلامية، ليس فقط في ما لم ينزل فيه وحي، بل في ما نزل فيه وحي.

 برأيي؛ استطاع المسلسل أن يقدم قراءة حول عمر المجدد والمفكر، مركزا على مدلولات عالجت مواضيع عدة مثل غنائم الحروب، والزواج من الكتابية، ومسألة التيمم للصلاة عند غياب الماء، وجدله مع أبي عبيدة بشأن طاعون عمواس، وموقفه من صلاة الاستسقاء، ومسألة الطلاق، وتوزيع أراضي الحروب على المحاربين والتفكير الاستراتيجي بخزينة الدولة وحقوق الأجيال المقبلة.

رغم الجدل الذي لحق بث المسلسل؛ إلا أن هذه التحفة الدرامية شكلت وثيقة تاريخية وحدثا فنياً مميزاً، بل وحدثاً فكرياً عالج بجرأة مسائل عديدة وربطها بواقعنا بكثير من الكفاءة والوعي والانفتاح.