2022.. عامٌ لا ينسى!

يشارف عام 2022 على النهاية، وقد حمل معه أحداثاً استثنائية غير مسبوقة ستظل في ذاكرة من عايشها. نهاية جاءت على أنقاض انقلابين في تونس والسودان، وأوضاع تزداد سوءاً في سوريا ولبنان ومصر ودول أخرى عديدة، مع اعتقالات وانهيار متواصل في الأوضاع الحقوقية.

وكما جرت العادة، اعتادت الصحافة مع نهاية كل عام تقديم حصاده ورصد أهم الأحداث فيه على جميع المستويات و الأصعدة؛ سياسياً وفنياً وثقافياً ورياضياً، وعلى الرغم من كثرة الأحداث العالمية وأهمية بعضها، فرضت الحرب الأوكرانية نفسها، وكانت الحدث الأعظم تأثيراً بلا منازع.

وبحسب مراقبين، يتوقع أن يواجه العالم ركوداً في عام 2023، إذ تؤدي تكاليف الاقتراض المرتفعة، التي تهدف إلى معالجة التضخم إلى انكماش عدد من الاقتصادات، منها قاطرات للنمو العالمي، فالمعركة ضد الغلاء في العديد من المجتمعات لم تحسم بعد، كما يتوقع أن تمتد تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا لمدد أطول، حاملة معها الكثير من المعاناة لمختلف الأطراف.

وبدءاً من تونس، التي حملت أحلام شباب الربيع العربي بالحرية والديمقراطية، ثم احتموا بها لاحقًا كآخر نموذج ناجح لثورات فشلت، يزداد الوضع سوءاً، فالأزمة الاقتصادية تتفاقم، حتى وصلت إلى اختفاء سلع أساسية من الأسواق، وتغيير للدستور، ثم أخيراً انتخابات شكلية تؤسس لبرلمان بلا سلطات.

أما في ليبيا، فتدهورت الأوضاع أكثر بعد الانهيار الرسمي لاتفاق جنيف، وتعيين مجلس النواب حكومة موازية لتلك المعترف بها دولياً، وتعثر ملف الانتخابات، ومحاولات اقتحام عسكرية متجددة لطرابلس.

يمنياً، معيشة ملايين الناس لا تزال على حافة المجاعة، مع تفشي العديد من الأمراض والأوبئة واستمرار أطراف النزاع في تمزيق البلاد، ثم انهيار الهدنة التي وإن بشكل غير واقعي، تعلقت الآمال بها.

وفي العراق، رغم الاحتجاجات المستمرة، سواء تلك التي يقودها الشباب في الشارع أو المعارضة، لا تزال تغرق في حرب طائفية، مقابل انهيار اقتصادي كبير. بينما في السودان، ورغم الأمل بنجاح اتفاق ينهي الحكم العسكري في البلاد، لا تزال التنظيمات الشبابية على الأرض تشعر أن لا أحد فعلاً يمثلها في السياسية.

ولا يبدو الوضع مختلفاً في لبنان، الذي يهيمن عليها الفراغ السياسي، دون أن يملأه إلا الاصطفاف الطائفي السياسي الذي يسيطر على حاضر البلاد منذ عقود، حيث لا تزال البلاد تعاني من أزمة معيشية خانقة، ومن انهيار للقطاع المالي، على أنقاض انفجار هز العاصمة بيروت وروع سكانها. وكذلك سوريا التي لا تزال تعاني من أزمة مستمرة، فيما تضيف العمليات التركية في الشمال السوري أبعاداً جديدة للمعاناة.

بينما تشهد الأردن، تفاقماً وتأزيماً في الوضع الاقتصادي المرافق للاحتقان السياسي العميق، إذ شكلت الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات أزمة جديدة للمواطنين الذين أثقلت كاهلهم الديون وارتفاع الأسعار والبطالة وفرض الضرائب. مع وجود دعوات مستمرة لتعزيز المشاركة السياسية من خلال لقاءات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، ناهيك أيضاً عن رؤية التحديث الاقتصادي التي يؤمل بها أن تكون دائمة وعابرة للحكومات بهدف إحراز تنمية اقتصادية حقيقية وجلب الاستثمارات على المملكة، وصولاً إلى اعتماد التوقيت الصيفي.

 

أما الوضع الجزائري، فرغم التحسن الاقتصادي نسبياً نتيجة زيادة الطلب على مصادر الطاقة في العامين الماضيين؛ إلا أنه لا وجود لبوادر واضحة لانعكاس هذه الحالة في تحسن معيشي لدى الجزائريين، بسبب ارتفاع مستوى التضخم وأسعار المواد الأساسية، حيث تحتاج الدولة كما يقول مراقبون إلى عملية إصلاح عميقة، إضافة إلى محاربة الفساد.

وصولاً إلى فلسطين وقضيتها التي تنتعش في تطلعات الشعوب العربية لمستقبل أفضل، فإن حالها حال هذه التطلعات، مستمرة في القلوب، مخنوقة في السياسات، خصوصاً مع استمرار التطبيع الذي وصل إلى مراحل استراتيجية. ولا يمكن إغفال استشهاد الإعلامية شيرين أبو عاقلة، حين كانت تغطي وقائع اقتحام الاحتلال الإسرائيلي لمخيم جنين للاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية.

دول عربية أخرى عديدة شهدت أزمات واحتجاجات، لكن بالمجمل فإن عواقب الجائحة الاقتصادية كانت مثل عواقبها الصحية، ثقيلة وعميقة الأثر، بل وكشفت عن مستويات فجة من الإهمال وتخلف السلطة عن أدوارها الأولية.

ولا ننسى أبناء جلدتنا خارج الوطن العربي، أولئك الذين انتهت مصائرهم إلى اللجوء في دول كثيرة، أو وهم يحاولون اللجوء، في طريقهم للبحث عن حياة أفضل ولو بقليل، أما معظم من استطاعوا الخروج طوال السنوات الماضية، فما زالوا عرضة للعنصرية والتمييز وللابتزاز، يعيشون حياة يحكمها اللايقين والخوف من المستقبل.

نقيضاً لهذه الصورة، حملت نهاية العام أملًا جديداً بالنسبة لملايين العرب على طول الوطن العربي، بعد استضافة واحدة من أكبر التظاهرات الرياضية في العالم في قطر من أواخر تشرين الثاني/نوفمبر حتى أواخر كانون الأول/ديسمبر، وبمعزل عن التنظيم الناجح لحدث عالمي، الذي سينعكس طويلاً على المنطقة وصورتها في العالم، فإن المدرجات حملت ما أعاد إلى الأذهان الربيع العربي مرة أخرى، جماهير واعية بعروبتها، فخورة بانتمائها الحضاري، وتحمل فلسطين جامعاً وناظماً لتطلعاتها.

مع كل أسف؛ هذا واقعنا العربي، لكن الأمل يبقى بمستقبل أفضل، فطلب المستحيل يظل مطلباً واقعياً محتمل التحقق .. هذا ما تعلمنا إياه شعوبنا العظيمة.