صمت الحملان.. الرعب الممزوج بالدهاء!

حين تذكر الممثل الرهيب والعالمي، أنتوني هوبكنز، يتبادر إلى الذهن فوراً دوره في فيلم "صمت الحملان" (The Silence of the Lambs، 1991)، الذي صدر قبل ثلاثين عاماً، ولم يحتج هوبكنز، حينها، إلى أكثر من 17 دقيقة، هي مجموع دقائق ظهوره في الفيلم (138 دقيقة)، حتى يترك في مخيلة المشاهد تلكما العينين الباردتين اللتين امتلكهما هانيبال لِكتر؛ الطبيب النفسي، والقاتل المتسلسل آكل لحوم البشر.

تلك الدقائق كانت كافية لينتزع الأوسكار الوحيدة التي حازها طوال مشواره، رغم أنه قدم أدواراً أخرى لا تقل أهمية، وترشح عنها للأوسكار، لكنه لم ينلها، ولعل أبرز هذه الأدوار هو كبير الخدم في فيلم "بقايا اليوم". 

في "صمت الحملان"، نرافق المحققة كلاريس ستارلينغ، التي أدت دورها جودي فوستر، في مشوارها مع لكتر، والتي أمضت خلال الدقائق الأولى من الفيلم تلهث وراء قاتل متسلسل عرف باسم بافلو بيل، كان لكتر يساعدها على التعرف إليه من خلال قراءة ملفه وفهم طبيعة جرائمه.

كان يساعدها بوصفه طبيباً نفسياً ماهراً، وكذلك كقاتل بارع. لكن، ولمساعدتها، لا بد لها أن تبادله معلومات أخرى، شخصية، عن نشأتها وطفولتها، والخوف الذي واجهته صغيرةً، خوفها الأول، البدائي، الطفولي، الذي ظل يسكنها حتى مواجهتها لـ هانبيال لكتر نفسه، الذي استطاع أن يستبطن هذا الخوف، ويعمقه أيضاً، مانحاً ستارلينغ مساحة معقولة من التداعي، لتسرد له قصة الحملان التي أيقظتها من نومها حين كانت تصرخ، قبل أن تُذبح.

استطاعت فوستر، التي انتزعت هي الأخرى أوسكار أفضل ممثلة عن أدائها هذا، تجسيد دور المحققة بإتقان؛ إذ تركز الكاميرا، كما في حالة لكتر، على عينيها، تترك لهما القول؛ نظرات وتحديقات متوترة وخائفة ومفتونة، وفاتنة أيضاً، استطاعت فوستر أن تمنحها للمشاهد، مُخفية وراءها أسراراً كان يسعى لكتر طوال الوقت إلى إظهارها، ونجح في ذلك.

يستعرض الفيلم أبعاداً جديدة للجريمة، فمعظم أبطاله مرتبطون بوثاق العقد النفسية المتراكمة، فالمحققة الشابة تعاني من طفولة ماضية كئيبة مليئة بالكوابيس، والطبيب؛ هو نفسه مجرم مرعب، آكل لحوم البشر، حيث انعكست شخصيات مرضاه على نفسيته الشاذة بشكل تراكمي- تفاعلي، فحولته لمجرم نفسي بالغ الخطر، وحتى مدير المصحة النفسية يتميز بسلوك غريب وغير سوي!

 فنرى كافة الخطوط تتقاطع وتتباعد وتقود المحققة المثابرة للدخول لخبايا شخصية المجرم الحقيقي، السادي، شبه المجنون الذي يتمتع بتعذيب ضحاياه من النساء قبل أن يجهز عليهن ويخيط من جلودهن زخارف فنية!

 ولا يخجل المخرج "جوناثان ديمي" من إظهار تعاطفه مع المجرم الطبيب البالغ الشراسة، مظهراً بعداً مهماً في شخصيته الطاغية، كما يضفي لمسة عاطفية خفية لعلاقته مع المحققة الشابة، قبل أن يتمكن من الإفلات ليصبح طليقاً حراً! وربما هذه العلاقة "الخفية المعقدة" والحبكة الدرامية الغامضة هي التي قادت الفيلم للنجاح ولحصد جوائز الأوسكار.

أين تكمن عبقرية الفيلم؟ لعل أهم ما في الفيلم شرحه لإشكالية هيمنة هواجس الجنس والشذوذ بأنواعه على الثقافة في الغرب، الذي يعترف بها صراحة بلا رادع أخلاقي أو ثقافي، من منطلق تقديسه للحرية الفردية والشخصية، وهيمنة "العلمانية-الليبرالية" على الفكر وأنظمة الحكم الديمقراطية، والذي يحرض "بحماس" لانتقال هذه "الحقوق" لبلدان العالم، بلا اعتبار لثقافاتهم وعقائدهم التي لا تحبذ هذه التوجهات.