مونديال قطر .. رسائل ودلالات في العمق العربي!

ظهر جلياً تركيز قطر في خطابها عن المونديال خلال مراحل الإعداد وحتى لحظة الافتتاح على العمق العربي، رافضة أن تستأثر وحدها بتلك اللحظة التاريخية، حيث استهل أمير البلاد كلمته الافتتاحية بعبارة "من بلاد العرب أرحب بالجميع"، كما تضمنت عروض الحفل تسليط الضوء على الهوية العربية والترابط بين بلدان المنطقة.

الخطاب الإعلامي المستخدم هو الآخر جاء متناغماً مع تلك الرؤية، فيما أطلق البعض على هذه النسخة من البطولة مسمى "مونديال العرب"، في إشارة إلى أن تلك الاحتفالية العالمية هي عنوان للعرب جميعاً، وأن نجاحها نجاح للمنطقة بأسرها وفشلها كذلك، كما أنها ستكون نافذة كبيرة لتعرف العالم على المجتمعات العربية التي تعاني من صورة ذهنية مشوهة لدى الغرب.

الحرص القطري على إبراز البعد العربي في البطولة دفع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم خلال كلمته الافتتاحية الترحيبية أن يتحدث باللغة العربية ضمن اللغات الأجنبية الأخرى، ليتم اعتماد العربية كلغة رسمية تابعة للغات المعتمدة لدى الفيفا، في واقعة وصفت بـ"الإنجاز العربي".

الرسالة الأبرز من وراء المونديال، ما لخصه الشاب القطري، غانم المفتاح، خلال حواره مع الممثل الأمريكي مورغان فريمان، في صورة تعكس ضرورة وأهمية الحوار بين الحضارات والتعارف بين الشعوب، ذلك الحوار القائم على أساس الاحترام المتبادل، وتعارف يثري الحياة الإنسانية.

وثمة رسالة أخرى واضحة، تمثلت بتلاقي الأجيال، فكل طرف يمثل جيلاً مختلفاً، بأبجديات ومعتقدات مختلفة، لكن هذا الخلاف ليس بالضرورة أن يؤدي إلى القطيعة، إذ من الممكن أن يكون أداة للتواصل وتبادل الرؤى والأفكار، وطي الخلافات والتمسك بالأمور الإنسانية المشتركة.

بظني؛ ولو لم يخرج المونديال إلا بتلك الرسالة السامية لكفى، الرسالة التي وضعت اليد فوق الجرح الأكثر إيلاماً؛ من ازدواجية المعايير والتفرقة بين الشعوب على أساس الدين والعرق، وإشكالية العنصرية والتعامل بحسب لون البشرة والدم، لذا كانت كرة القدم والرياضة عموماً وسيلة التعارف والتقارب لا الفرقة والتباغض.

اللوحة بصفة عامة كانت أكثر إبهاراً مما توقعه الكثيرون، بل إنها تجاوزت حاجز المأمول بمراحل، لتسفر جهود 12 عاماً من العمل الشاق عن هذا الإنجاز غير المسبوق عربياً، الذي لم يقتصر عند حد الرياضة وفقط، بل تخطى ذلك للقيام بدور دبلوماسي قوي، أسفر عن لقاء كان من الصعب عقده في ظل الظروف الحالية، بين الرئيسين المصري والتركي، لتضيف الدبلوماسية القطرية أداةً جديدةً لأدواتها وهي الرياضة.

وأحسب أن الدلالة الأعمق والأهم، كانت بصفعة قطر للمشككين بقدرتها على الاستعداد لاستضافة حدث عالمي بهذا الحجم، فمنذ الإعلان عن فوز قطر بتنظيم كأس العالم في 2 ديسمبر/كانون الأول 2010 وحتى لحظة انطلاق حفل الافتتاح مساء 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، وحملات الهجوم على الدوحة لم تتوقف، ما بين اتهام بتقديم رشاوى لأعضاء الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) للفوز بتنظيم نسخة المونديال الحاليّة، والتشكيك في قدرتها.

حملات الهجوم تلك انتقلت من مرحلة التشكيك في القدرة على تهيئة الأجواء الملائمة لاحتضان المونديال إلى أسلوب التشويه بدعوى السجل الحقوقي المشين للدولة القطرية خاصة فيما يتعلق بحقوق العمال العاملين في المنشآت الرياضية الخاصة بكأس العالم.

لم تلق الدوحة بالاً لهذا الهجوم الذي تصاعدت حدته قبيل أيام قليلة من الافتتاح، ووصل إلى انضمام بعض المدربين واللاعبين المشاركين في البطولة للمشاركة لتلك الحملات، وهو ما دفع رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، للدفاع عن قطر، ففي تصريحات له قبل 24 ساعة فقط من انطلاق حفل الافتتاح هاجم فيها الأوروبيين قائلًا: "أنا أوروبي، وبسبب ما فعلناه على مدى 3000 عام في جميع أنحاء العالم يجب أن نعتذر لمدة 3000 سنة مقبلة، قبل إعطاء دروس أخلاقية".

ورغم شراسة تلك الحملات فإن مع الدقائق الأولى لبدء الحفل وما تضمنه من لوحات فنية بديعة ورسائل أخلاقية ورياضية وسياسية قوية، سكتت جميع الألسنة، وانزوت الأصوات المنتقدة خلف ستائر الإبهار والإعجاب بهذا المستوى الرائع من التنظيم الذي جاء بمثابة الصدمة لممولي تلك الهجمات.

السمة الأبرز التي شهدها حفل الافتتاح كانت التمسك بالهوية التراثية القطرية، حيث حرص المنظمون للحفل على إبراز الوجه الثقافي للدولة القطرية بعيداً عن أي محاولات للتقليد بهدف إرضاء الآخر، وهي النقطة التي أثارت إعجاب وتقدير الكثيرين حول العالم.

بالمجمل؛ فإن ردود الفعل الأولية، الإقليمية والدولية، على حفل الافتتاح، والرسائل الضمنية التي قدمتها قطر للعالم، والصورة الناصعة، شكلاً ومضموناً، تؤكد أن بلاد العرب قادرة على النجاح والتميز والإبهار، ولا ينقصها سوى إرادة سياسية حقيقة، والأهم، الاعتزاز بهويتها وتراثها وقيمها.