في بيتنا نخب مزيفة!

ليس هناك ما هو أقسى على القلب، من معاشرة أناس يدّعون بأنهم من أهل العلم والفكر والثقافة، ويستخدمون بضاعتهم ومهاراتهم وأحاديثهم في خداع الناس وغشهم وتزييف عقولهم ووعيهم.

لا يكاد اليوم يخلو مجتمع عربي من المدلسين المزيفين، الذين يخلطون الحق بالباطل عبر التضليل والخداع، وكثير منهم يتخذ صفة العلماء والمفكرين والمثقفين والإعلاميين والمؤثرين، إلخ.

الغريب أن هؤلاء يصفهم البعض جهلاً بـ "العلماء" ويسمون أنفسهم، غروراً واستعلاءً، بـ"النخبة"، التي تعرف كل شيء، وتفهم وتتحدث في كل الأمور، وأنها إذا تحدثت يجب أن ينصت الناس، وإذا صمتت فصمتها حكم!

فذاك "العالم الجليل"، الذي يمارس التدليس على الناس من أجل تبرير أفعال معينة لأصحاب السلطة والنفوذ، وهو شيخ كبير، صاحب علم ومؤلفات، كان سمته الوقار، أو على الأقل هذا ما يظهره للناس.

وليس بعض الصحفيين بمنأى عن ذلك الزيف، فتراهم قد وصلوا لـ "جنون العظمة"، حتى أنهم يتخيلون أنفسهم علماء وأصحاب رأي وحكمة، فيفتون للناس في شؤون دنياهم عبر برامجهم التلفزيونية ولقاءاتهم الإعلامية - للأسف-!

لكَ أيضاً أن تشاهد "المثقف الكبير" حين يرى نفسه مشبعاً بالعلم ونال دراسات عليا، واكتسب معلومات واسعة فيظن أنه بلغ من الناحية الفكرية أقصى ما يمكن أن يبلغه الإنسان الواعي، وبالتأكيد هذا انخداع يبتلى به البشر.

برأيي؛ تبدأ خيانة المثقف والسياسي والصحفي حين ينخرط في بيع الوهم بثمن، كي يسهل تضليل الجمهور، وتسويق الفكرة التي يمكن من خلالها ابتلاع الأخلاق والتطلعات والآمال المشروعة، وتبرير الظلم، وتحطيم أحلام الناس في حياة كريمة وعادلة.

لم تمر الأمة العربية بنكبة أشد مما هي فيه اليوم من ضياع وتمزق واقتتال وتراجع كبير على كل المستويات، وفي المقدمة منها انحطاط وسقوط ما يسمون أنفسهم "النخبة"، نخبة كان ينظر لها الناس على أنها حصن مناعتهم من الظلم والاستبداد، فإذا بهم يتحولون إلى سياط في يد الجلادين.

بتقديري أن تكون نخبوياً يعني أن تسخر كل قوتك لنهضة المجتمع وإخراجه من حالة التخلف والجهل، وأن تكون القدوة الحسنة في الارتقاء بأفراد المجتمع في جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والأهم الثقافية.

لا أتقول؛ إن قلت إننا في زمن باتت فيه الخيانة للقيم والمبادئ الإنسانية الأساسية أمر طبيعي لا يدعو للخجل والعار، بل ربما وصلت تلك الخيانة إلى مرحلة متقدمة من التباهي والتفاخر بصناعة التزييف وتدليس الحقيقة وطعنها بخنجر النخبة المزيفة!