بين الواقع والافتراض!

على غير عادته، بدأ أحد الأصدقاء بنشر مجموعة من النكات والفيديوهات المضحكة والصور الطريفة على صفحته الشخصية بالفيسبوك، وقد كان من قبل يكتب في الشأن الوطني والعربي، ويتلمس هموم الناس من بطالة وارتفاع أسعار ومعيشة ضنكا، وليس عيبا بكل تأكيد أن يرفه الإنسان عن نفسه وعن غيره، وأن يخلع ثوب الجدية بين الحين والآخر، فالحياة ليس لها طريق واحد على كل حال، ولا يشقى فيها إلا الذين أخذوها على محمل الجد باستمرار !

لكنني، ولتجربة سابقة مماثلة شعرت أن صديقي يبطن في قلبه عكس ما يظهر، وأنه يحاول أن يخفي حزنا ما، أو خيبة جعلته لا يريد لمن كان سبباً فيها أن يراه متأثراً، فسألته عن سبب هذا التحول في طبيعة المنشورات التي يكتبها أو ينشرها، وكان السبب كما توقعت تماما: " أنا مخذول يا صديقي" !

لا تجد النفس البشرية عموما، أي حرج في التعبير عن فرحتها، وإظهار قوتها، ونشر ما يسعدها، لكنها تخجل من كشف ضعفها، وإبراز ما ينغص عيشها، والحديث عن الطرق التي سلكتها وعادت منها كسيرة تجر أذيال الخيبة، ربما على طريقة "إذا بليتم فاستتروا"، أو ربما إيمانا بقول الشاعر " لا تشكُ للناس جرحا أنت صاحبه.. لا يؤلم الجرح إلا من بهِ ألمُ"، فالناس تهاب القوي، ولا تحفل بمن يبدي ضعفه، تلك حقيقة لا مفر منها !

لستُ في معرض المفاضلة بين من يكشف حزنه وضعفه أو يخفيهما، لكنني أردت توضيح مسألة غاية في الأهمية، وهي أن ما ينشره الآخرون ليس بالضرورة أن يكون مرآة للحالة النفسية التي يعيشونها، وأن أكبر خطأ نرتكبه في حقهم هو التعامل معهم والحكم عليهم من خلال إدراجاتهم على صفحاتهم الشخصية، لطالما فُجعنا بانتحار من كانوا يرسمون البسمة على شفاهنا، ولطالما صُدمنا بأشخاص أخذنا عنهم انطباعاً سلبياً بسبب البؤس في آرائهم ومعتقداتهم المنشورة في العالم الافتراضي، لكن حين التقيناهم على أرض الواقع كانت نفوسهم مثل تفتح الأزهار في فصل الربيع !

اسمه (عالم افتراضي)، وهذا يختصر الكثير مما يمكن قوله !

أرجوكم لا تحكموا على الحالة النفسية لأحبائكم وأصدقائكم من خلال ما ينشرونه، أرجوكم بدلا من ذلك تفقدوهم بعيداً عن العالم الافتراضي بين الحين والآخر، ولا تخدعكم الحروف والمواقف المنشورة في العلن، فالسر دائماً أصدق وأوضح، وكما يقول الرافعي : "في كل إنسانِ تعرفه إنسانٌ لا تعرفه " !