هل تحقق نظام التفاهة في عالمنا؟!

جولة تصفح سريعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومتابعة عن كثب للأخبار المتداولة والمنشورة في المنطقة العربية، ستحاصرك التفاهة والضحالة من كل جانب. فالعالم العربي بات مرتع لثقافة تفاهة مدفوعة الأجر، تتغذى من أخبار نجوم الفن والرياضيين والفنانين، ويغمضون أعينهم عما سواها!

بالتأكيد، هذه الحالة ليست حكراً على العالم العربي والإسلامي، فالمناخ الثقافي العالمي بات محكوماً بماً أسماه الكاتب الكندي ألان دونو بـ "نظام التفاهة"، فضاءً يتنفس فيه الجميع هواء متعفناً بأخبار النجوم، وتسيطر فيه "طبقة الأشخاص التافهين على جميع مناحي الحياة، وبموجبه تتم مكافأة الرداءة والتفاهة، عوضاً عن العمل الجاد والملتزم".

الفارق اليوم؛ هو أن الدول المتقدمة ظلت تتمتع بمؤسسات ثقافية وعلمية راسخة تجعل من التفاهة إحدى الظواهر البارزة في الحياة الاجتماعية والثقافية الغربية، ولا تمكنها من ابتلاع كامل المشهد. الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الفنية العريقة قلاع منيعة، ما زالت تقوم بأدوارها المحورية في إحداث التوازن بين منطق القيمة والجدية ومنطق السطحية والتفاهة.

تلك المؤسسات تواجه الضحالة والرداءة في الغرب تكاد تغيب في العالم العربي، فترى شبابنا يتخبطون في دوامة التيه والضياع بلا أوتاد تشد كيانهم ولا بوصلة تضبط مسارهم.

فراغ ثقافي ووجودي وديني تمخض عن تفكيك مؤسساتنا التعليمية، فقد جرفت رياح التحديث العاتية التي هبت على المنطقة العربية جل مؤسساتها الاجتماعية والثقافية التقليدية. أما من بقي منها على قيد الحياة، ففقد استقلاليته تماماً!

مقابل ذلك، عجزت الجامعات الحديثة، التي أنشئت في سياقات التحديث، عن الحلول محل المؤسسات التعليمية الضاربة بجذورها في عمق التاريخ، وعجز ما يسمى بالمثقف الحديث عن ملء الفراغ بأدواره العلمية والأخلاقية الوازنة.

دوامة الضياع هذه تغذيها أنظمة التسلط المرتعبة من استفاقة الوعي العربي وارتفاع مطالب التغيير والإصلاح، أنظمة تستثمر في تغييب العربي عن ماضيه وحاضره ومستقبله؛ وتحويله إلى كائن مادي مستهلك سطحي بلا هوية ولا رؤية ولا وجهة.

نعم؛ هي عملية تجريف ثقافي أفرزت ما نراه اليوم من هشاشة في التكوين الديني واللغوي والفكري، واغتراب للشباب عن منابعهم العربية، ونزوع نحو السطحية والتفاهة الفوضى واضطراب القيم والمعاني.

بالعودة إلى ماهية نظام التفاهة، كما جاء في كتاب ألان دونو، فيتبين أن "فيروس التفاهة قد انتقل إلى كل المرافق، ولم تنج منه الجامعات والمؤسسات البحثية، فقد باتت الأبحاث محدودة، مجزأة ومسطحة، وباتت التخصصات البحثية ضيقة إلى درجة فقدانها لماهيتها العلمية الشمولية الواسعة".

ما الحل إذاٍ؟ يرى دونو أن تأسيس الفكر النقدي، واستخدام النقدية الدائم، آلية مهمة من أجل محاربة نظام التفاهة؛ فهو يدعو إلى إعمال الشك والتشكيك في كل شيء، وعدم قبول أي شيء على أنه مفهوم ضمناً. وعلى الفرد أن يسأل الأسئلة وأن يجتهد في البحث؛ وأن يسمي الأشياء من جديد، أن يبدع وأن يخلق! إنها عمليّة بحث دائمة، وهي مكلفة من ناحية المجهود الفكري الذي ينبغي للفرد أن يستثمره، لكنها عملية مجدية مهمة في نهاية المطاف؛ من أجل إنهاء نظام التفاهة.

برأيي؛ أصبحت التفاهة مرغوبة اليوم، وباتت أنموذجاً يحتذى به، وهي تشجعنا في كل يوم على عدم التفكير، وعلى الغفو، وتقبل الأمور كما هي دون أن نبحث أو نسأل أو نحفر، وهي تريدنا أن نكون كسالى، وبهذا فإنها تحيلنا إلى مستهلكين لا منتجين، وأهم ما في الأمر مجردين من كل تفكير نقدي.

مطلوب؛ رفع وعينا الاجتماعي والسياسي بصفته فعل مقاومة، والتحرر من سيطرة التفاهة التي هي مهمة الجميع إذا ما أرادوا إنقاذ الإنسان... اليوم من ينجو من هذا الطوفان الجارف يتخلص من شر عظيم، والعاقل من حرس نفسه وعقله وأهله من تلك البيئات القادرة على جعل الوجود أجوف!