مختبر سياسات شبابي للبحث بدور الإعلام في مواجهة آثار التغير المناخي

فيما تشهد دول الإقليم والعالم، اشتداد وتيرة ظواهر تغير المناخي المتطرفة والقوية، تبدو تأثيرات التغير البيئي والمناخي والتحولات التي يحدثها من ارتفاع درجات الحرارة والفقر المائي والجفاف والتصحر منتشرة أفقياً بقوة، وأكثر من أي وقت مضى، ومن الخطأ الاعتقاد أن هذه التداعيات ستقف عند بلد دون آخر.

أصبحت قضية التغير المناخي أكثر إلحاحاً، وبدأت الجهات المعنية والمانحون والناشطون والخبراء بحشد الجهود لتسليط الضوء عليها في الإعلام للتأثير على صانعي القرار ورفع الوعي لدى الجمهور العام لإيجاد حلول مبتكرة لدفع مجتمعاتنا نحو نمو أكثر استدامة. وفي هذا السياق، يجتمع خلال الفترة من 6 إلى 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2022 في شرم الشيخ/مصر، خبراء وممثلو الحكومات والجهات المعنية وناشطون بيئيون، في إطار مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ 2022، والذي يشار إليه باسم COP27 (مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ) لمعالجة قضية تغير المناخ، باعتباره "فرصة لإظهار الوحدة ضد تهديد وجودي لا يمكننا التغلب عليه إلا من خلال العمل متضافر الجهود والإجراءات الفعالة المشتركة عالميا".

في ضوء ذلك، وضمن برامجها الرامية إلى تمكين الشباب ومنحهم الأدوات اللازمة للتعبير عن رأيهم والمساهمة في صناعة المستقبل، أطلقت منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) من خلال ذراعها الإعلامي "موقع هنا صوتك"، وبالتعاون مع (RNW Media) وبدعم من الحكومة الهولندية، مشروع "تحدي الأصوات الخضراء للشباب والشابات في العالم العربي"؛ لدعم الشباب وتعزيز مشاركتهم في النقاش حول تغير المناخ، ورفع أصواتهم فيما يتعلق بهذه الظاهرة.

وفي سياق هذا المشروع والمسابقة المصاحبة وبناءً على المعايير وعملية التقييم فيها، اختارت لجنة التحكيم 14 شابا متأهلاً للمرحلة النهائية من كل دولة من دول المشروع (مصر، والأردن، ولبنان، وفلسطين واليمن والعراق)، حيث يشاركون في سلسلة من مختبرات السياسات ودورات احترافية في مجال الإعلام. قبل  تأهل  10 منهم للمشاركة في الفعالية الجانبية لمؤتمر المناخ في شرم الشيخ.

وبدأت أول جلسة ضمن مختبر السياسات يوم الإثنين 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2022، وشارك فيها الكاتب والصحفي والمتخصص في الفلسفة، حبيب معلوف، وخبير البيئة والتغيير الاجتماعي نشاد شافي، وأدارتها ميريام لوبيز من منظمة النهضة (أرض)، وبمشاركة المتأهلين للمرحلة النهائية للمسابقة. وبحث مختبر السياسات الأول في أهمية إيجاد مساحة لمبادرات الشباب ووجهات نظرهم حول قضية تغير المناخ، فضلاً عن كيفية منح وسائل الإعلام رؤية أكبر لهم، مع ضرورة إطلاق حوار عام حيال هذه القضايا.

نحو إعلام بيئي أكثر عدالة

حيث أكد خبير الشؤون البيئية نشاد شافي، على أهمية دعم إعلام بيئي مستدام ومعني بالتغير المناخي، باعتباره مشكلة عالمية ومحلية وجودية، مسجلاً أن التغطية الإعلامية لقضايا التغير المناخي في الوطن العربي تعد "منخفضة" ولا تلائم حجم المشكلة وآثارها المتوقعة. ورأى أن فكرة المسابقة والمختبر تدعم دوراً فعالاً للشباب العربي في قضايا الاستدامة البيئية والتغير المناخي، ولفت الانتباه لمبادرات ومشاريع الشباب في المنطقة العربية.

وشدد على ضرورة أن يركز الإعلام على قضايا التغير المناخي وأن يفرد لها مساحات أوسع. وخاطب المشاركين الشباب "نحن بحاجة لأشخاص قادرين على التغيير، منهم المشاهير في مواقع التواصل المجتمعي وغيرهم، لدفعهم وتشجيعهم على مشاركة الجهود والقصص التوعوية بأخطار التغير المناخي".

وحمل شافي على ما أسماه "الاستعمار الأخضر الجديد"، موضحاً أنه يعني أن "معظم الدول المتقدمة والصناعية تزعم أنها وافقت وأقرت سياسات خفض الانبعاثات لكنها تلومنا (كعالم ثالث) على ممارساتنا البيئية رغم أنهم أساس المشكلة". واستدرك شافي "يجب التفكير بإبداع وتوافق بين دول المنظومتين المتقدمة والنامية، وإيجاد حل وسطي، والتحرك وفق إرادة سياسية واضحة، فمطلوب من الدول الغنية أن توفر التكنولوجيا والأموال المتعلقة بالحد من تغير المناخ للدول قليلة الدخل للتقليل من هذه الانبعاثات ومكافحة آثار التغير المناخي الذي يطال بضرره العالم كله".

الفلسفة والإعلام المبني على الحقائق في مواجهة التغير المناخي

بدوره، قال الكاتب والصحفي والمتخصص في الفلسفة حبيب معلوف، وهو مؤلف كتاب "مدخل إلى الفلسفة البيئية" الذي يتناول الخلفية الفلسفية لتغير المناخ ويبحث في الأصول الفكرية والقيمية عند البشرية من الثقافات المختلفة تجاه البيئة، أن "الإنسان في العصر الحالي لم يعد معنياً بأن هناك كائنات أخرى تعيش على الأرض"، مستدركاً "نحن بحاجة إلى فلسفة جديدة أكثر تواضعاً وتنوعاً، وأن نؤمن أن كل الأنواع والكائنات يجب أن تبقى موجودة على هذه الأرض". ونبه معلوف إلى قوة الإعلام الغربي في التأثير على الدول النامية، معتبراً أنه تم عبر العولمة "تسويق المزيد من السلع من الدول الصناعية والثقافة الاستهلاكية، واستباحة المواد الأولية في الدول الفقيرة".

ورأى أن الدول النامية تحتاج إلى عدالة مناخية من العالم المتقدم أولاً، وثانياً التوقف عن تقليد العالم المتقدم بإهمال الجانب البيئي في مسعاه للتقدم التنموي، وقال "علينا أن نفهم أن الظواهر المناخية مدمرة والكلف البيئة تتجاوز فوائد التقدم التنموي بنهجه المعتمد حالياً". واعتبر أن الكوارث المناخية لا شيء سيعوض عنها البلدان النامية، لا البلدان الغنية ولا غيرها"، لذلك فهو ينصح بالتفكير جدياً "بالعودة إلى نماذجنا الاجتماعية والتنموية القديمة". موضحاً في هذا المجال أن المطلوب دعم البيئة العلمية والتركيز على التكنولوجيا الخضراء، والابتعاد عن ثقافة الاستهلاك في السلع والنقل والسكن، والعودة إلى الأطر المشتركة في العيش تحت مظلة العائلة الواحدة والابتعاد عن مبدأ الفردية، وذلك الأمر فيما يخص النقل حيث حذر أن بقاء ما يزيد عن 7 مليارات سيارة تعمل بصورة مضرة بالبيئة "ستحدث كارثة بيئية عالمية إذا ما استمرت على هذا المنوال".

وشدد معلوف أنه يجب "الترويج لفلسفة عالمية جديدة، يحل فيها التضامن بدلاً من التنافسية، والعودة إلى النظام الغذائي النباتي القديم بدلاً من الغذاء الاستهلاكي القائم على اللحوم والمضر للبيئة، وإنتاج الطاقة الخضراء وإعادة التفكير نظم النقل بحيث يكون كل ذلك صديقا للبيئة.

وتناول معلوف قضية الأخبار غير الدقيقة في المجال البيئي وكيف يمكن للإعلام أن يتعامل معها، لافتاً إلى أهمية التأكد من المصدر العلمي لهذه المعلومات، ومن موّل هذا البحث العلمي، وهل هناك باحثين راجعوا البحث العلمي.

هموم وتجارب عربية

نقاشات عدة دارت بين المشاركين، واستعرض المشاركون من الأردن وفلسطين والعراق ومصر ولبنان قضايا التغير المناخي في بلدانهم ومدى الاهتمام بها من الجهات الرسمية والناس، ودعا البعض إلى التركيز على الجانب التشريعي والحوكمة بمواجهة المشكلة، فيما شدد آخرين على ضرورة الاهتمام بتغيير السلوكيات والعادات الإنسانية السلبية وبالتغيير المجتمعي، بما يسهم بالحد من المشكلة.

ورأى المشاركون الشباب من اليمن أن مشكلة غياب المساءلة للجهات المسؤولة في القضايا البيئية سببها انشغال الشعوب في الصراعات الداخلية والخارجية والحرب. ومع ذلك – فإن هناك مبادرات مجتمعية ظهرت في الفترة الأخيرة منها عمل معارض وإنشاء منصات معنية بالتغير المناخي والبيئة، وغيرها.

وفي العراق، بين المشاركون أن الناس لم تكن مهتمة كثيراً قبل أعوام قليلة بالتغير المناخي ومشاكله، إلا أن الوضع تغير منذ عامين تقريباً، خاصة بعد جفاف أغوار العراق والعواصف الترابية الطويلة والمستمرة، كل ذلك بات الناس يشعرون بأضراره الكبيرة عليهم.

أما في الأردن ومصر ولبنان، فتم الإشارة إلى أهمية دور المجتمع المدني والإعلام والمؤثرين على مواقع التواصل في التركيز على قضايا التغير المناخي، إلا أن المشكلة الرئيسية في هذا الصدد كانت في "إهمال" او عدم القدرة على المساءلة الحكومية تجاه قضايا التغير المناخي والتقصير في اتخاذ إجراءات تحد من التلوث والانبعاثات الضارة.

أما فلسطينياً؛ فتم الحديث عن أن الوعي الفلسطيني بقضايا البيئة توفر منذ عقود، للتصدي لإجراءات الاحتلال العدوانية المدمرة للبيئة الفلسطينية، كالتوسع في بناء المستوطنات غير الشرعية، والسطو على مياه الضفة الغربية المحتلة الجوفية وتسرب المياه العادمة للمزارع والبيوت وخصوصاً إلى قطاع غزة.

وختاماً أكد الشباب إلى ضرورة عقد دورات تدريبية مكثفة للتوعية بقضايا البيئة والتغير المناخي، فيما ظهر إجماع بين المشاركين على أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت مسيطرة على الشأن العام ويجب التركيز عليها لمواجهة التغير المناخي والتوعية بقضاياه، فضلاً عن ضرورة التدريب على كيفية رصد التقارير العلمية وصياغة الأخبار المتعلقة بهذا المجال.