وليد سيف.. نكران للذات ومزيج من المعرفة والإبداع والتاريخ!

أحترم وأقدر رفض الأكاديمي والكاتب الدرامي الفلسطيني، د. وليد سيف، بالظهور في مقابلات صحافية أو ندوات نقاشية وحوارات، فرغم محاولات عدة للالتقاء به والتحدث إليه، إلا أنه لم يقبل، فالرجل يدرك ومقتنع تماماً أن كتاباته قدمته للجمهور ولا يحتاج لأحد تقديمه كوليد سيف الذي من لحم ودم!

وأكاد أجزم بأنه لا يمكن لأي ممن حضر مسلسل "التغريبة الفلسطينية" ألا يكون مهتماً بالتعرف على كاتبها وحياته والمؤثرات التي اكتنفت مسيرته، وأنضجت إبداعه الذي أتاح له أن يكتب هذه الدرة الفريدة عن فلسطين.

فمن الصعب أن تستذكر أدب السير والتوثيق والتاريخ والشعر في الأردن وفلسطين، تحديداً، بدون أن تذكر اسم وليد سيف، الذي استطاع بكل إبداع وجرأة أن يقدم سجلاً تاريخاً للأحداث بأنماط إنسانية مختلفة رأينا معاناتها ماثلة أمامنا على خلفية القضية الفلسطينية وتطوراتها.

فتلك فلسطين عاشت في قلب سيف وشكلت وعيه ووجدانه وأحلامه وشرط وجوده، وذلك ما ظهر جلياً في التغريبة الفلسطينية كعمل درامي وروائي، حيث لم ينزلق إلى تقديم صورة مثالية رومانسية للواقع الاجتماعي الفلسطيني، بما ينجم عنها من ترويج دعائي ساذج وشعارات رنانة.

فرغم نبل القضية وسموها وكفاح الشعب الفلسطيني في وجه ظروفه القاهرة، لم تخجل التغريبة من تجسيد الكثير من عيوب المجتمع كتناقضاته، وصراعاته الداخلية، وبعض مظاهر التخلف في ثقافته العامة، والصراعات الطبقية، والظلم الواقع على المرأة.

ماذا عن المخيم؟ يرى سيف أن "المخيم ليس فقط هو عنوان المأساة الفلسطينية والقضية، بل هو أيضاً، حاضنة المقاومة. فاستطاع المخيم أن يُخرج قيادات فكرية وعلمية، وأدبية وطنية. بالتأكيد، هذا كله من شأنه أن يعيد الاعتبار إلى المخيم، وإلى دوره المركزي في الحركة الوطنية الفلسطينية".

على سبيل المثال؛ في التغريبة حضر المخيم بوصفه بطلاً جمعياً فلسطينياً، ووعاءً للذاكرة الفلسطينية، حاضنة الكفاح والمقاومة، قبالة الوصمة التي أنزلت عليه حتى من سائر المجتمع الفلسطيني. فكان هذا المسلسل "فرصة عظمى" لرفع المخيم إلى ما يستحقه من التقدير في الوجدان الفلسطيني، واعتذاراً بالنيابة عمن ظلموه بصور نمطية سلبية.

في المجمل، سعى سيف المولود في مدينة طولكرم عام 1948، خلال العقدين الماضيين، وفي كافة أعماله إلى بناء مركب للشخصيات ونقل تعقيدات وتفاصيل الصراع الذي تخوضه ضمن محيطها، وفي دواخلها، بالإضافة إلى إيصاله محتوى فكرياً مختلفاً، سواء في تناوله الماضي أو الحاضر.

هذه المعادلة الصعبة التي سعى سيف بإصرار إلى تحقيقها تكمن في الدمج بين المستوى الأدبي والتقنيات البصرية المتلفزة دون أن يقف ذلك عائقاً أمام الجمهور العريض، ما دامت المادة الحكائية جذابة، كما وصف ذلك في كتابه "الشاهد والمشهود.. سيرة ومراجعات فكرية".

كتب سيف العديد من الأعمال الدرامية التي ستحتفظ بها الذاكرة العربية مثل "عروة بن الورد" و"شجرة الدر" و"طرفة بن العبد" و"جبل الصوان" التي أخرجها صلاح أبو هنود، و"المعتمد بن عباد" من إخراج عبد الوهاب الهندي، و"بيوت في مكة" من إخراج علاء الدين كوكش، لكن ستبقى مسلسلاته التي كتبها وحملت توقيع المخرج السوري الراحل حاتم علي هي الأكثر حضوراً وتأثيراً وجمالاً، وهي: "صلاح الدين الأيوبي" (2001)، و"صقر قريش" (2002)، و"ربيع قرطبة" (2003)، و"التغريبة الفلسطينية" (2004)، و"ملوك الطوائف" (2005)، و"عمر" (2012).

كما حصل على جوائز عدة؛ منها: جائزتا عرار وغالب هلسا من رابطة الكتاب الأردنيين، إضافة إلى جائزة أفضل كاتب دراما في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون لأربع سنوات متتالية، وكذلك، جائزة الدولة التقديرية عن حقل الدراما/ الأردن، والجائزة التقديرية من اتحاد الإذاعات العربية التابعة لجامعة الدول العربية.

وقد أغنى المكتبة العربية بمجموعات شعرية؛ مثل: "قصائد في زمن الفتح" (1969) والتي أصدرها وهو طالب في السنة الثالثة في "الجامعة الأردنية"، و"وشم على ذراع خضرة" (1971)، و"تغريبة بني فلسطين" (1979).

لا يمكن إغفال تجربة هذا الرجل المهم، والكاتب الفذ، فهو مزيج من المعرفة والتاريخ والإبداع، ويحق لنا ذكر مآثره وأعماله التي تركت في نفوسنا أشياءً كثيرة ليس أولها معرفة التاريخ، ولا أخرها تذكير الناس والأجيال القادمة بأخر أرض محتلة.. فلسطين الحبيبة.