"بي بي سي" تترجل.. التقشف الذي يضرب إعلامنا!

بعد نحو ثمانية عقود من بثها عبر الأثير العربي، راديو "بي بي سي" عربي مغلق من الآن فصاعداً، فالعزاء لأسماعنا التي فقدت واحدة من أهم مسامع الزمن الجميل!

خطتا الإغلاق والتقليص، اللتان أعلنت عنهما الإذاعة، بدأت فعلاً بإغلاق البث الإذاعي بعشر لغات، وإنهاء خدمات حوالي 382 موظفة وموظفاً، في قسم الخدمة العالمية، لأسباب دعت أنها بالأساس "اقتصادية بحتة"، ولتوفير أكثر من 28 مليون جنيه إسترليني من النفقات السنوية لخدماتها الدولية.

شخصياً، لا أتفق مع معظم طروحات "بي بي سي" ولا في بعض توجهاتها، خصوصاً مع تبنيها واستخدامها على مدار 84 عاماً أدوات وسياسات دعائية استعمارية لصالح الغرب الطامع، لكنني معنيّ كثيراً بسيل الإغلاقات التي باتت تواجه وسائل الإعلام والصحف والمواقع، في محاولة لـ "تصفية" ما تبقى من صوت الناس.

ومع كل مرة، تغلق فيها قناة أو إذاعة أو صحيفة، يأتي المبرر دائماً؛ بعدم القدرة على مجاراة الكلف المالية وكلف التشغيل، وبالتالي؛ اللجوء للإغلاق والقضاء على هذه المؤسسات هو الأنسب، كما يدعون! لكن هل هذا هو فعلاً الحل، أم نحن أمام منظومة إعلامية تمضي للانهيار مقابل صعود وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة الصفراء؟

إذا كنتم ترون ما أراه، فأعتقد أن قرار إيقاف أية وسيلة إعلامية بشكل عام، و"بي بي سي" تحديداً لا يرتبط بنسب المتابعة والإعلانات ولا بالموضوع المالي، وإن كان هناك حالات قليلة تغلق لهذه الأسباب.

"الحقيقة الثابتة"، برأيي، لا يريدون إعلاماً وصحافة حقيقة تكشف وتحاسب وتروي مسامع المتعطشين للمعلومة. فمع إغلاق "بي بي سي" هذا الكيان العملاق الذي أخذ على عاتقه مبادرة التغيير والتطور في مجال بث المحتوى، سنشهد - للأسف- كتابة نهاية تاريخ طويل للخدمة الإذاعية، فضلاً عن مشكلة كبيرة تتمثل بقطع أرزاق آلاف العاملين.

ثم، إن إغلاق "بي بي سي" قد يكون بداية النهاية للعديد من مثيلاتها السمعية مثل "مونت كارلو" و"صوت أمريكا"، وكذلك البصرية كـ "الحرة" و"فرانس 24" وتلفزيون "بي بي سي" العربي، وقد تنتقل العدوى لبعض محطات التلفزة الرسمية العربية أيضاً، فقط مسألة وقت!

إن دعم وحماية وسائل الإعلام المستقلة حالياً، ضرورة ملحة أكبر من أي وقت مضى، وبالتالي، من المهم تأمين البقاء الاقتصادي لهذه المؤسسات، ومن دون ذلك سنخسر بالتأكيد أفضل حصن لنا ضد الروايات الضارة والمضللة.

سياسة التقشف التي تضرب إعلامنا من كل حدب وصوب، باتت مكشوفة وعلى "عينك يا تاجر"، فيا ليت هذا التقشف والتخفيف والإغلاق يكون لمؤسسات الدولة النائمة والمتدحرجة في هوة الفساد والتسيب والضياع، بدلاً من أن تحكموا على مؤسساتنا الإعلامية بالإعدام حتى الموت!

الضحية اليوم كانت "بي بي سي"، التي كانت تبدأ نشراتها بدقات ساعة "بيغ بين" الشهيرة "وهنا لندن"، أصبحت تاريخاً بعد إحالتها إلى التقاعد، ووقعت مهزومة في مُواجهة "تسونامي" الإعلام الرقمي من يوتيوب وتويتر وفيسبوك وإنستغرام.. والقائمة تطول. فمن هي الضحية القادمة؟