الماغوط .. مجازفة أن لا تكون بيننا!

من هناك، من موقعه المتموضع دمشقياً، بين أشيائه الحميمة، ولوحاته، وأوراقه وكرسيه، فقدنا ضمير المجتمع الدمشقي والعربي الصارخ على العالم.

محمد الماغوط؛ أحد أهم شعراء القرن الماضي وأبرز مثقفيه المشاغبين على اللغة والسياسة والمفاهيم، وأحد مؤسسي قصيدة النثر في العالم العربي في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات.

لم ينس الماغوط المولود عام 1934، بمحافظة حماة بسورية، السجن طوال حياته ولطالما تمحورت رواياته وكتبه ومؤلفاته حول الزنازين في بلاد القمع وأقبية الفروع الأمنية منذ زمن بعيد، وقد خلف الاعتقال في نفسه أسى لا تصفه الكلمات وخوف يستشعره في كل حين، ولاحقه في كل تفاصيل حياته، حتى قال عنه: "السجن مثل الشجرة له شروش (جذور)، شروشه تذهب إلى القصيدة والمسرحية والفيلم حتى إنها تذهب إلى الفم الذي تقبله".

إن الوضوح هو إلى حد ما ملمحاً من ملامح الماغوط، فكان يهتم بقضايا أمته ومشغولاً بتحولات الواقع، ففي معظم قصائده كان يعتمد على تجربته الذاتية في قصائده، حيث أن شعره كان يحمل معظم همومه الإنسانية، فضلاً عن اهتمامه بالدين والسياسة في أشعاره.

لم يكن يتخيل الراحل بيوم من الأيام أن يصل إلى ما وصل إليه نتيجة حالة الفقر والعوز التي كان يعيشها مع أهله وكانت أحلامه تتجلى بزواجه من إحدى قريباته في ضيعته وإنجاب الأولاد والمعيشة معهم في أرضهم.

لكن لم يمض وراء حلمه، فانتسب إلى الحزب القومي السوري الاجتماعي منذ شبابه. ويروي الماغوط سبب انتسابه إلى الحزب القومي لا إلى البعث، قائلاً: "دخلت إلى حزب لم أقرأ مبادئه، كانت الدنيا برد وشتوية وكان يوجد حزب البعث والحزب القومي، وحزب البعث كان يوجد في حارة بعيدة والطريق إليه موحلة، وإلى جانب بيتنا كان يوجد الحزب القومي وفي مقره يوجد مدفأة فذهبت إليهم"، ويضيف الماغوط "كان المسؤول في حزب البعث ملاكماً وأنا أكره العضلات وأخاف أن يضربني".

عمل الماغوط في الكثير من المهن، ولعل من أهم المحطات في حياته هي مساهمته في تأسيس صحيفة تشرين الحكومية في السبعينيات التي عمل فيها لسنوات طويلة، كما عمل رئيساً لتحرير "مجلة الشرطة" الحكومية السورية، وكذلك، في المسرح القومي بالتعاون والشراكة مع الفنان دريد لحام حيث أنتجا الكثير من المسرحيات الناجحة والشهيرة التي أصبحت محط إعجاب شعبي كبير لما فيها من نقد لحالة الحكومات العربية. 

مسرحيات الماغوط كتبت باللهجة العامية السورية، ولم تطبع، كتبها لتُمثل على المسرح، ولنرى ثورات عقله؛ ومنها: "العصفور الأحدب"، و"المهرج"، و"خارج السرب"، و"المارسيليز العربي"، و"ضيعة تشرين"، و"غربة"، و"كاسك يا وطن"، و"شقائق النعمان"، بالإضافة إلى دواوين شعرية كان أهمها: "حزن في ضوء القمر"، "غرفة بملايين الجدران"، "الفرح ليس مهنتي"، كما ألف عدة مسلسلات تليفزيونية، وأيضاً أفلام سينمائية مثل فيلم "الحدود" الشهير وفيلم "التقرير".
توفي الماغوط، وخلف إرثا أدبياً عظيماً لا يمكن أن ينسى، فمقولاته عن الوطن باتت هذه الأيام تلامس الجميع كأنها تقرأ واقعاً أليماً نعايشه جميعاً، والأهم، أنه استطاع بتجربته أن يكون ظاهرة نادرة في الأدب العربي الحديث، تميزت بمزيج فريد من العفوية والفطرية والشعرية الحادة واللاذعة، معرياً الطغاة والساسة، والأحزاب، والرؤساء، بجرأة وقوة وعمق، وبموهبة صادمة لم يستطع شيء ترويضها.