حين تذوب هوياتنا الفرعية في المآسي فقط!

من حسرة إلى حسرة نسافر، أما لهذا الشُتات من آخر؟!

وفقاً للأمين العام للهيئة العليا للإغاثة في لبنان، فقد ارتفع عدد ضحايا غرق مركب طالبي اللجوء قبالة السواحل السورية إلى 94، بينما أعلن الجيش اللبناني في بيان له عن إيقاف شخص قال إنه المسؤول عن رحلة المركب الذي انطلق قبل أيام من سواحل شمالي لبنان وعلى متنه طالبي لجوء غير نظاميين من جنسيات لبنانية وفلسطينية وسورية، وكانت وجهتهم إحدى الدول الأوروبية، فيما أثبتت التحقيقات تورط الموقوف في إدارة شبكة تهريب للمهاجرين غير النظاميين.

وبقدر أهمية مكافحة تهريب المهاجرين غير النظاميين والاتجار بالبشر، هناك ثمة سؤال أكثر أهمية؛ ما الذي يدفع هؤلاء للمخاطرة بأرواحهم واختيار أكثر السيناريوهات رعباً بحثاً عن النجاة؟

الجواب بسيط جداً ومحزن جداً بآن معاً؛ لأن النجاة كانت مفقودة في أوطانهم، ولأن الحياة تعذرت في أوطانهم، ولأن لقمة العيش كانت محفوفة بالذل في أوطانهم، لأن المساواة كانت من أساطير الأولين، ولأن التفرقة موجودة بين أبناء البلد الواحد، فكيف لا تكون موجودة بين المواطنين واللاجئين؟!

ربما سمعوا منادياً ينادي أن "اركبوا معنا ولا تكونوا مع الهالكين" فركبوا ظناً منهم أن ثمة بقعة أكثر أماناً من الوطن، أو ربما أنهم يأووا إلى جبل قبل أن يستوي المركب على شاطئ النجاة، فحال الموت بينهم وبين الحياة، أو ربما أنهم التزموا بمعايير السلامة ورددوا مع ربان المركب "بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا" ، إلا أن "مؤامرة كونية" كانت وراء غرقهم في الماء، مثلما كانت المؤامرة الكونية ذاتها وراء غرق سوريا في الدم، أو أنهم أرادوا أن يجسدوا صورة لبنان، فغرقوا بالماء كما غرق هو بين الفرق المتناحرة، أو أنهم اختاروا الضياع تضامناً مع فلسطين التي ضيعناها وضيعنا كرامتنا بضياعها!

أربعة وتسعون من الوجوه التي لن تُرى بعد اليوم، وستصبح أسماؤها عصية على المناداة، ومقرونة بالآه، ربما كانوا يضعون أحلامهم في حقائبهم قبل ملابسهم، فقد كانت أوروبا بالنسبة لهم هي الخلاص من فساد السلطة، وعنصرية الدم المشترك، واستعلاء اللغة ذاتها، لكنهم لم يدركوا بأن الحلم –مجرد الحلم- للعربي بحياة أفضل سيكون عقابه الموت!

حتى أن حلمنا الأكبر بالوحدة وأن تذوب الهويات لحساب هوية واحدة جامعة لن يتحقق إلا في هذه المآسي!