استخدام اللهجة العامية في الأدب.. صراع بين مدرستين

ثمة صراع دائم بين مدرستين أدبيتين، الأولى هي التي ترفض توظيف اللهجات والمفردات العامية في النص الأدبي، والثانية هي التي ترى هذا التوظيف ضرورياً لأنه يجعل النص أقرب إلى الواقعية والحقيقة، وعلى نحو ما فإن أعضاء الفريق الثاني يرون في هذا التوظيف توثيقاً لتاريخ بلادهم ومحاولة لنشر اللهجات المحلية على أوسع نطاق!

نجيب محفوظ .. ما بين معارضتها واستخدامها!

وربما أكثر ما يثير الاستغراب أن أحد أشد المعارضين لاستخدام اللهجات العامية في الأدب هو أستاذ الرواية العربية نجيب محفوظ، بل أنه وصف استخدام الكلمة العامية في العمل الأدبي بالمرض، ومرد هذا الاستغراب أن العديد من الباحثين الذين حاولوا تحليل أعمال محفوظ والبحث عن أثر العامية فيها عثروا على بعض الكلمات المحلية التي يستخدمها أهل القاهرة، أو عبارات اقتبسها محفوظ من لغة الناس لكنه أعاد صياغتها بطريقة تظهر للقارئ أنها فصيحة .

وبعيداً عن رفضه أو استخدامه للهجة العامية في الأدب، إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة مفادها أن محفوظ لم يكن ليصل العالمية لولا أنه انطلق من قاع الخصوصية، حين كتب عن تفاصيل التفاصيل في الأزقة والمقاهي المصرية!

الطيب صالح.. براعة في التوظيف !

على الطرف المقابل، كان عبقري الرواية العربية الروائي السوداني الطيب صالح يستخدم المفردات السودانية المحلية في الكثير من رواياته، بل أنه يدفع القارئ للغوص في أعماق اللهجة السودانية تأثراً بقدرة الطيب صالح على توظيف المفردات في نصوصه، وكلما أراد أحدنا الحديث عن بساطة ونبل الشعب السوداني استل وصفهم كما كتبه الطيب صالح في رواية (ضو البيت): "يا عبد الله، نحن كما ترى نعيش تحت ستر المهيمن الديان، حياتنا كد وشظف لكن قلوبنا عامرة بالرضى قابلين بقسمتنا ال قسمها الله لنا. نصلى فروضنا ونحفظ عروضنا. متحزمين ومتلزمين على نوايب الزمان وصروف القدر. الكثير لا يبطرنا والقليل لا يقلقنا، حياتنا طريقها مرسوم و معلوم من المهد إلى اللحد. القليل ال عندنا عملناه بسواعدنا ما تعدينا على حقوق إنسان ولا اكلنا ربا ولا سحت، ناس سلام وقت السلام وناس غضب وقت الغضب.  ال ما يعرفنا يظن أننا ضعاف إذا نفخنا الهواء يرمينا، لكننا في الحقيقة مثل شجر الحراز النابت في الحقول."!

ونلاحظ كيف استخدم الطيب صالح لهجة أهله في وصف تركيبة السودانيين وحياتهم، وقد كان بارعاً في الحوار الصوفي القريب إلى القلوب لخصوصيته وجماليته وبساطته، لكن الأهم من ذلك كله أن قراءة أعماله ستوصلك إلى قناعة بأن الأهم من استخدام المفردات واللهجات العامية هو القدرة على توظيفها بالشكل المناسب ومعرفة متى وأين تضعها، فمن غير المنطقي استخدامها في كل زوايا العمل الأدبي مهما كان جنسه، بحيث تجعله لغة السرد الأساسية.

الأدب الساخر.. لأنه نبض الشارع استخدم كلماته

يكثر استخدام اللهجة العامية في الأدب الساخر، فلأنه نبض الشارع أكثر من استخدام مصطلحاته، فالأديب التركي عزيز نيسين كان يكتب باللهجة المحلية لكن أدبه هو الآخر بلغ العالمية، كذلك كان الأديب السوري محمد الماغوط صاحب الكتاب الشهير " سأخون وطني" ومسرحيات "كاسك يا وطن" و"ضيعة تشرين" و "شقائق النعمان" التي أداها الممثل السوري المعروف دريد لحام، ولا ننسى المصري جلال عامر أحد أشهر الكتاب الساخرين في مصر والعالم العربي .

يعتبر أنصار المدرسة الأولى أن استخدام اللهجة العامية في الأدب هي من لزوميات محاولة طمس اللغة العربية والحرب عليها، وأحياناً ينظر إليها على أنها تزيد التفرقة بين أبناء الأمة الواحدة، لكن الكاتب العراقي علي لفتة سعيد يرى أن المؤلف يلجأ إليها لأنها  أقرب إلى المتلقّي وتحقق فائدة تعّدد الأصوات داخل الحوار، وتساعد  في انزياحه من بنائية لغوية إلى بنائية فهمية قابلة لتطويع المفردة لإيصال المعنى بأقرب الطرق.

بكل الأحوال، فإن الأدب أكبر من القواعد، والقارئ هو القاضي الأول والأخير، هو الذي يتذوق النص أو يرفضه، يجيزه أو يتحفظ عليه، ويبقى الأهم أن نقرأ بغض النظر عن طبيعة ولغة ما يُقرأ، وما أجمل أن تكون خلافاتنا ثقافة، و في الثقافة، ومن أجل الثقافة!