رحلة البحث عن السعادة

أعلينا أن نتألم كثيراً لكي نحب الحياة أكثر؟ هو تساؤل يتكرر كثيراً كلما أدخلتنا دوامة الحياة في مصاعب ومتاعب جديدة، لم نجد لها تفسيراً منطقياً.

الطريق طويل وشاق ولا نهاية له، والأحلام التي تلوح في الأفق، تمضي وكأنها سراب يصعب الإمساك به، ومهما ركضنا خلفها لن يكون تحقيقها بهذه السهولة.

كل تلك الدوامة التي غالباً يقع فيها الجميع، تستدعي أن نتذكر فيلم "البحث عن السعادة" الذي لعب دور بطولته الممثل العالمي ويل سميث، برفقة طفله الصغير. في هذا الفيلم ينحدر سميث مع طفله من قاع إلى قاع. ومع وصوله إلى كل قاع تظن، أنت المشاهد، أنه بلغ منتهى البؤس.

هكذا؛ لم يكن ثمة مناص أمام مشاهد الفيلم من تأمل إنهاء حياة هذين الضعيفين على نحو من الأنحاء، وبأسرع ما يمكن، ليس ثمة سبب ليعيش أي كان مثل هذه الحياة، وليس الموت أصعب من مقارعة هذا العيش المستحيل.

أحداث الفيلم مستوحاة من قصة حقيقية لرجل الأعمال الأميركي كريستوفر جاردنر، تحديداً في مرحلة فارقة في حياته، في ثمانينيات القرن العشرين، عندما حاصرته ديون الضرائب وفقد أمواله وبيته وزوجته بعد تخليها عنه لعثراته المادية المتتالية، فأصبح مشرداً في طرقات المدينة بلا مأوى هو وابنه الصغير.

 لم يبق أمام كريس (ويل سميث) سوى أمل وحيد؛ أن يحصل على عمل في البورصة، تلك الوظيفة التي تؤمن له دخل شهري مغرٍ وسيارة حديثة. يمضي كريس في طريقه وراء الحلم الذي يعده بالسعادة المشتهاة، لكن طريقه محفوفة بالعثرات وخيبات الأمل، ولأن نهاية فيلم كهذا يجب أن تكون سعيدة، يحصل كريس على الوظيفة.

الفيلم يترك بارقة أمل في نفوس الكثير من مشاهديه، فعليك أن تلتفت لحلمك ولا تكترث لإحباطات الآخرين، اسعَ في عملك، ونم في الطرقات، وتلفح بالأوهام، وعانِ بشدة لو أمكن، ففي النهاية ستصبح سعيداً.

تبدو أموراً منطقية في عصر تقترن فيه السعادة بالمال فحسب، لكن الأمور لا تسير بهذه البساطة، بل تضعنا أمام معضلة شديدة الإرباك، هل سبل المعاناة وحدها ما تضمن لنا السعادة الأبدية؟ وما تعريفنا للسعادة؟

وهل مفهوم السعادة يتلخص في سيارة وبذلة وابتسامة، هل هذه هي السعادة حقاً يا كريس؟ السعادة شعور واختيار شخصي، ما يجعلك سعيداً لا يجعلني بالضرورة سعيداً، الأمر أبسط من أن نلخصه فقط في الركض وراء المال. كلنا نرى أن الناس الذين يصنفهم المجتمع بالسعداء لديهم كل شيء، لكنهم في الحقيقة ما زالوا غير سعداء، كما أن هناك أشخاصاً لديهم القليل جداً ويبدو أنهم من أسعد الأشخاص الذين قابلتهم على الإطلاق.

يصور لكَ الفيلم لحظات متفرقة من التوتر والقلق والركض من هنا إلى هناك، السعي الدائم محفوف بكلمات تحفيزية، حتى يحصل كريس على الوظيفة، هكذا أنتهى كل شيء، لكن كيف وصلت إلى مبتغاك يا كريس؟ كيف تقدمت في فترة تدريبك في البورصة وأنت لا تفقه شيئاً في هذا المجال؟

لم يُجبنا الفيلم عن أسئلة كهذه، ربما لأنه غير منشغل بالطريقة، بل إن جل اهتمامه فقط في إبقاء شعلة التوتر مشتعلة حتى النهاية، على المشاهد أن يشعر أن حياته هو أيضاً على المحك وأن البطل عليه أن يصل إلى مبتغاه ليشعر بالتطهير، لكنه لن يفهم في النهاية كيف نجح كريس بعد ساعات طويلة من الركض.

لا يعلم الإنسان مصيره في هذه الحياة، فمنذ ولادته تمنحه الحياة فرصة عظيمة لاجتياز اختباراتها المختلفة، ويبقى اللغز في إمكانية تغيير الفرد لواقعه، فالسعادة ليست سهلة ولكنها بالطبع ليست مستحيلة، والطريق بالفعل شاق، ولكن متعة الرحلة تكون أكبر بكثير من الوصول للنهاية، وتلك الأحلام التي لطالما راودتك، لن تكون أبداً سراباً، بل بإمكانك جعلها حقيقة وواقع تعيشه.