"ضيعانو لبنان"

حين تسود شريعة الغاب، فيصبح البقاء للأقوى والأكثر حظوة وسلطة، ويأكل القوي الضعيف كنتيجة حتمية لغياب القضاء، ودفن العدالة، وتقزيم المؤسسات، عندها فقط لا تتعجب إذا أصبح الخارج عن القانون بطلاً في عيون الناس، ولا تتعجب أنه خرج عن القانون لتحقيق العدالة التي من المفترض ألا تتحقق بدون الالتزام بالقانون!

هذا ما حصل مع اللبنانية سالي حافظ التي تصدرت مواقع التواصل الاجتماعي بعد اقتحامها أحد البنوك في العاصمة اللبنانية، لاسترداد وديعتها المقدرة بـ20 ألف دولار تحت التهديد، مستعملة مسدساً بلاستيكياً، ومما زاد التعاطف معها ودفع الناس لاعتبارها بطلة أنها أرادت استرداد وديعتها لعلاج أختها المصابة بالسرطان، فمنذ عام 2019 فرضت المصارف اللبنانية قيوداً مشددة على سحب الودائع، إلى أن صار اليوم من شبه المستحيل على المودعين اللبنانيين التصرف بأموالهم، لا سيما المودعة بالدولار الأمريكي مع تراجع قيمة الليرة اللبنانية أكثر من 90%، وهذا كله إرهاصات الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان والتي صنفها البنك الدولي بأنها الأسوأ في العالم منذ عام1850!

ما فعلته حافظ حفز كثيرين للسير على دربها، فبلغ عدد المصارف التي اقتحمها المودعون 8 مع حلول يوم الجمعة الفائت، مما دفع جمعية المصارف اللبنانية لتعلن أنها ستغلق أبوابها 3 أيام اعتباراً من منتصف هذا الأسبوع، بسبب مخاوف أمنية.

لبنان يغلق مصارفه التي صارت نهباً في ظل الانفلات الأمني والسياسي والاقتصادي الذي يعيشه، رغم أنه كان يلقب بـ "سويسرا الشرق" ليس بسبب طبيعته الجغرافية الخلابة فقط، بل كونه في الستينات والسبعينات كان المركز المالي للشرق الأوسط، وكان يمثل أهم المراكز المصرفية في آسيا الغربية، وتميز بقوانين حفظ السرية الشبيهة بتلك المطبقة في سويسرا، وهو ما نتج عنه ازدهار اقتصادي وسياحي وسياسي واجتماعي، فيما اليوم أغلقت مصارفه، وانهارت عملته التي كانت قيمتها في تلك الفترة المزدهرة تصل إلى (3.3) ليرة لبنانية مقابل الدولار!

ديون متراكمة على الحكومات المتعاقبة، وحرب أهلية استغرقت 15 عاماً (1975 - 1990) لكن ما زالت تلقي بظلالها إلى اليوم، وإسراف في الإنفاق دون ضوابط ودون مبررات، وهذا الإسراف هو القاسم المشترك لدى أغلب الدول العربية التي قد تواجه المصير ذاته، فهي تقترض أموالاً جديدة لسداد مستحقات الدائنين الحاليين، وهذه الخطة  تحقق مآربها موقتاً إلى أن تنفد الأموال الجديدة، لكن الديون تبقى كما هي دون أن تنقص، تماماً كما يحدث مع لبنان، لكن المختلف في لبنان أن النخب الطائفية أيضاً تقترض دون ضوابط تذكر، إنها النخب التي ترفض رفضاً قاطعاً إلغاء الطائفية السياسية، ليبقى لبنان أحزاباً متفرقة، كل حزبٍ بما لديهم فرحون، أما لبنان فلا حزب ينتمي له انتماءً خالصاً!

أرادت سالي حافظ استرداد وديعتها لمعالجة شقيقتها التي تعاني من السرطان، أليس من المسلمات أن تتكفل الدولة بعلاج شقيقتها لولا عجزها ووهنها؟ ثم من يعالج لبنان نفسه من سرطان الفساد والهوية الضائعة وتخندق كل مسؤول تحت راية طائفته التي ستحميه مهما فعل؟!

"ضيعانو لبنان" عبارة يرددها اللبنانيون حسرة على ما حل ببلادهم، ونرددها معهم لأن لبلادهم وديعة فكرية وثقافية وفنية وعروبية لدى كل بلد عربي، وينبغي أن تُرد له!