حرية.. بالتقسيط!

خلوة أو جلسة واحدة مع مسؤول كبير أو وزير معين، ستظن للوهلة الأولى أنكَ تعيش في بلد غير الأردن، خصوصاً حين نسمعه يتغزل بالحريات الصحافية، فيوحي إليك بأن كل شيء على ما يرام، وأن هناك ما يحصن مهنتنا ويحميها من صنوف الترهيب والترغيب والضغط.

وأكاد أفهم بالطبع، أن هذا الغزل "المصطنع" لا يروق للكثير الصحفيين والعاملين في هذه المهنة، مع وجود أجهزة وأشخاص تجدهم يسعون من حين إلى آخر لإظهار خصومتهم للصحافة، وكأن لم يبق في هذا البلد غير حملة الأفكار والأقلام يثيرون الشغب ويهددون الأمن القومي ويعرقلون مسيرة السلام ويمنعون تنفيذ الاتفاقات!

حقيقة، لم نعد ندري من هي الجهة التي تضيق بحرية الرأي والتعبير، ولم نعد ندري من هي الجهة المخولة والقادرة على متابعة شؤون الصحافة وقضايا الإعلام!

ولنتفق أولاً؛ بأن الصحافة تختلف عن غيرها من المهن، ومن المعيب على السلطات ملاحقة العاملين فيها، إلا أن ما نشاهده ونراه باختصار يبعث للأسى، فمع كل هذا التطور والانفتاح التقني والتكنولوجي ما يزال بعضهم لا يتقبل فكرة صحافة حرة مستقلة تراقبهم وتحاسبهم، ولهذا فإن معظم التوجهات والقرارات لا تذهب فعلياً لتعزيز حرية الإعلام.

تشخيص أزمة الإعلام في الأردن والمنطقة العربية ككل، بات الآن أكثر تعقيداً مما مضى بعد سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي، وتغير اللاعبين في الميدان الصحفي، وتزايد الانتهاكات المستمرة بحق الصحفيين والصحفيات، مع التأكيد على أن حق الحصول على المعلومات غير مصان حتى في البلدان التي أقرت قوانين لضمان الوصول للمعلومات.

نخاف أن تصبح الحرية "منة"، ونخاف أكثر على الديموقراطية من يد "الرقيب" التي تمتد إليها يومياً، تأمر بحذف هذا النص، وبتغييب ذلك الخبر، وبالتعتيم على كل ما يشير إلى المسؤولين بنقد أو موقف.

نخاف على الصحافة ومؤسساتها وهي تعيش هاجس التوقيف أو الملاحقة أو منع تصدير مطبوعاتها إلى الخارج، إذا لم تلتزم بالتوجيهات والأوامر، ونخاف كذلك على الوطن من أن يتخلى عن أنبل ظواهر وجوده واستمراره وتمايزه، وأعني هنا الحرية.

نعم؛ نخاف على كل ذلك، ولا نعتبر تسلسل الرقابة إلى الصحافة مجدداَ، مجرد خطوة صغيرة لترتيب أوضاع الإعلام الخاص على وجه التحديد، إنها خطوة في صميم القضية الديموقراطية تتطلب حسماً سريعاً من المسؤولين ومن القائمين على شؤون هذه المهنة.

إذن، أي حرية تلك التي تأتينا بالتقسيط؟ برأيي؛ الطريق القويم نحو صحافة حرة يتمثل في منظومة تشريعية وطنية تنطلق من ضمانات دستورية تكفل حماية هذه الحرية، وتستند إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان التي كفلت حرية التعبير عموماً وحرية الصحافة والإعلام بوصفها المكون الأبرز لحرية التعبير.

الصحافة؛ هي عين البلد، هي صورته الحقيقية، والتي تعكس اكتمال الحرية فيه، وأن صحافة عوراء بعين واحدة ورأي واحد ووجهة واحدة لا يمكن على الإطلاق أن تعبر عن الوطن بكل اتجاهاته وعقائده.

هذه هي القاعدة التي نرى أنها تحفظ للوطن تألقه الديموقراطي، لذلك نحن نصرخ الآن بنزع بذرة التسلط والترهيب، فعندما نخاف على الصحافة، نخاف على الحرية، وبالطبع، نخاف على الوطن.. وهذا حق أعتقد أن الدستور كفله ويسمح به!