التنمر.. الكل خاسر!

شدتني دراسة حديثة صادرة عن مركز أبحاث الطب النفسي للأطفال في جامعة توركو بفنلندا، وكشفت نتائجها أن الأطفال الذين يتنمرون على الآخرين في سن الثامنة والتاسعة، يكونون أكثر عرضة لارتكاب جرائم عنيفة في سن 31، فمن خلال الدراسة تبين أن الاولاد والبنات الذين كانوا يتنمرون على الآخرين بشكل متكرر أكثر عرضة لارتكاب جرائم عنيفة ثلاث مرات مقارنة بالأطفال الذين لم يتنمروا على الآخرين أبداً.

ما شدني في تلك الدراسة أنها أظهرت وبشكل واضح أن جميع الأطراف في عملية التنمر خاسرون، ففي حين كنا نقرأ دراسات وآراء عملية تؤكد أن من يتعرضون للتنمر في الطفولة ستتأثر حياتهم على المدى البعيد، ومن ضمنها دراسة صدرت عن جامعة بيتسبرغ  بالولايات المتحدة الأمريكية عام 2017، وأوضحت نتائجها أن معظم الرجال الذين تعرضوا للعنف والتنمر في مرحلة الطفولة كانوا أكثر عرضة لتدخين السجائر، وإدمان الماريجوانا، وتطورت لديهم مشكلات جسدية؛ لشعورهم بأنهم لم يتم التعامل معهم بشكل عادل، كما كانوا أقل تفاؤلًا  وأكثرو سوداوية بشأن مستقبلهم، جاءت هذه الدراسة لتؤكد أن المتنمر يتطور إلى شخص يرتكب جرائم عنيفة مستقبلاً!

مع التأكيد على أن ظاهرة التنمر ليست محصورة في مرحلة الطفولة، وإنما تمتد لكل مكان: في الشارع، وفي العمل، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وأكثرها شيوعاً التنمر اللفظي، إلا أن التركيز عليها في مرحلة الطفولة مهم جداً، لأنه بالضرورة سيقلل نسبة التنمر جيلاً بعد جيل، حيث تُظهر الدراسات التي تجريها منظمة الصحة العالمية، أن 30% على الأقل نسبة الأطفال المشاركين بظاهرة التنمر المدرسي، سواءً كمُمارسين أو ضحايا، أضف إلى ذلك أن تثقيف الأطفال حول ظاهرة التنمر وزرع ثقافة الاختلاف واحترام الآخر في نفوسهم سيكون يسيراً في هذه المرحلة، لأنهم ما يزالون في طور التشكيل، ولأن مراقبة سلوكياتهم وتعديل الخطأ فيها أسهل بكثير من محاولة تعديلها حين تكبر معهم وبهم، ربما لا يحتاج الأمر لأكثر من دقائق يمضيها أولياء الأمور برفقة أطفالهم لتوجيههم وزرع محبة واحترام الآخرين داخلهم ، وأن نشرح لهم بأن كلمة السوء التي نقولها ولا نحسب لها حساباً قد يحسب الآخر حسابها مدى العمر، أو قد تنهي عمره ! فكلما حضر مصطلح التنمر عادت بي الذاكرة إلى عام 2013، حين أقدم طفل أردني يبلغ من العمر 8 سنوات على شنق نفسه بواسطة حزام بعد ضغوط نفسية تعرض لها بسبب سخرية أصدقائه من تشوه خلقي بيده ووصفه بصاحب اليد المقطوعة، وما أكثر الأطفال التي انتهت حياتهم بفعل متنمر!

أنقذوا الطفولة من الطفولة، وتفقدوا ثقافة الرفق والتسامح ونبذ العنف والسخرية يومياً في نفوس أطفالكم قبل أن تتفقدوا مصروفهم وحقائبهم المدرسية!