التغير المناخي.. جبهة صراع جديدة في العالم!

لولا تداعياته الكارثية وأخطاره الكبرى، لما حدث ما حدث في باكستان التي تشهد أزمة فيضانات خطيرة ومدمرة، أساسها التغير المناخي الذي ضاعف تساقط أمطار موسمية غزيرة أغرقت ثلث مساحة البلاد وأودت بحياة أكثر من 1100 شخص.

وفيما تشهد البلاد وتيرة وشدة ظواهر الطقس المتطرفة الشديدة، تبدو تأثيرات التغير البيئي والمناخي والتحولات التي يحدثها من ارتفاع درجات الحرارة والفقر المائي والجفاف والتصحر قوية جداً، وأكثر من أي وقت مضى. 

في الباكستان مثلاً؛ لا يوجد مساحة جافة يمكن لمضخات سحب المياه الوقوف عليها لتقليل حجم السيول والفيضانات، حيث تسببت الأمطار الحالية وغير المسبوقة منذ ثلاثة عقود؛ بجرف مساحات من المحاصيل الزراعية الأساسية وتدميرها، كما ألحقت أضراراً بأكثر من مليون منزل.

اليوم؛ العالم مقبل على ظواهر غير معتادة بسبب التغييرات المناخية، وما تفرضه من تحولات بيئية واقتصادية، وسياسية وأمنية. ومن الخطأ الاعتقاد أن تداعيات التغيرات المناخية ستقف عند بلد دوناً عن الآخر.

عربياً؛ تبدو منطقتنا الأكثر عرضة للفيضانات والأعاصير والدمار الذي يسببه ارتفاع منسوب المياه في البحار إلى الحد الذي قد تفقد معه على سبيل المثال؛ مصر 13.2% من أراضيها الزراعية (دلتا النيل) حال ارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط بمتر واحد فقط، وقد تخسر معه تونس نسبة مقاربة من أراضيها الزراعية وسيضاف بالتبعية إلى القطاعات السكانية الفقيرة والمهمشة في البلدين مجموعات جديدة.

الأردن أيضاً؛ ليس بمنأى عن تأثير التغير المناخي والذي لا يتوقف على البيئة والمجتمعات؛ بل ينعكس أثره على النفس البشرية، فقد يتعرض المواطنون مستقبلاً، بحسب خبراء، لمشكلات عديدة كالقلق؛ والإجهاد؛ واضطرابات ما بعد الصدمة؛ وخسارة المنازل بسبب الثلوج أو عدم قدرة الأسر على تلبية احتياجات الدفء أو الغذاء في الشتاء؛ فضلاً عن التعرض لدرجات حرارة عالية واحتراق الغابات الأمر الذي يؤدي لانبعاث غازات سامة؛ ناهيك عن انبعاثات المصانع والمركبات التي تؤثر على صحة الأفراد.

وبشأن التأثيرات المتوقعة لتغير المناخ؛ فيتبين وفقاً لتقرير صادر عن " الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ" التابعة للأمم المتحدة (IPCC)، بأن المجتمعات الأكثر ضعفاً، وذات الدخل المنخفض، هي الفئات الأكثر تضرراً من هذا التغير، يقابل ذلك وجود ما يصل إلى 3.6 مليارات شخص يعيشون في مناطق معرضة بشدة لتغير المناخ، بسبب الحرارة الشديدة والأمطار الغزيرة والجفاف والطقس الذي يمهد للحرائق.

وأفاد التقرير، إلى أن تغير المناخ يؤثر على الصحة البدنية للأفراد، كما يؤثر على صحتهم العقلية، إذ أن الأضرار الرئيسية على الصحة العقلية للأفراد هي من تأثيرات الطقس القاسية، كما حذر من خطورة تعرض 14% من الأنواع الحيوانية والنباتية الموجودة على الأرض لمخاطر الانقراض إذا ارتفعت الحرارة العالمية بمقدار 1.5 درجة مئوية، ومن المرجح أن يرتفع هذا الرقم ليصل إلى 29% إذا ارتفعت درجات الحرارة العالمية بمقدار 3 درجات مئوية، إضافة إلى تأثر قطاعات عديدة مثل الطاقة والنقل والزراعة والمياه.

بينما تشير توقعات الخبراء إلى أن التغيرات المناخية ستكون الدافع الرئيس وراء موجات النزوح الداخلي والهجرة القسرية في الفترات المقبلة. وغالباً؛ وليس من قبيل المصادفة ووفقاً لإحصاءات نشرت في عام 2020، فإن 14 دولة من أصل 25، تعد الأكثر عرضة لتغير المناخ، كانت غارقة في الصراعات، من بينها مالي والصومال والكونغو الديمقراطية واليمن.

في هذه اللحظة بالذات؛ لم يعد ممكناً التهرب من الكارثة، بعدما أصبح الكوكب، في أجزاء واسعة منه، غير صالح للعيش. وإذا كان مواطنو أكثر من دولة يشكون من ارتفاع درجات الحرارة أو انخفاضها، والحرائق التي تلتهم الغابات والفيضانات، فإن ذلك على أهميته، ليس سوى فصل من المشكلات المتوقع أن تتفاقم خلال السنوات المقبلة.

مطلوب تبني سياسة شاملة للتكيف مع المناخ، سواء على المستوى الإقليمي أو المحلي، مع ضرورة تفعيل القوانين وتطبيقها وزيادة الوعي بمخاطر التلوث البيئي، وأن تكون الرقابة مستمرة على كل الملوثات البيئية بشكل أكبر وأكثر حزماً.

ويتعين كذلك، استجابة جميع البلدان والمجتمع المدني والشركات والمواطنين لأزمة المناخ، بما يسهم في تحفيز وتسريع وتيرة هذا العمل بشكل يضمن إيجاد مستقبل مستدام للمنطقة، مع أهمية المحافظة على البيئة من خلال الاهتمام بالزراعة، وتقليل كميات النفايات البلاستيكية، والإدارة الصحيحة للمياه.