اكتئاب!

يُفرق البروفيسور طارق الحبيب، أحد أشهر الأطباء النفسيين في العالم العربي، والمختص في علاقة الدين بالصحة النفسية بين نوعين من الاكتئاب: الأول؛ هو الذي أسماه "الاكتئاب الروحاني"، وأما الثاني؛ فهو الاكتئاب النفسي المرضي الشائع عالمياً، إذ يعاني منه حوالي 280 مليون شخص حول العالم بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية. وفي حين يتسبب الفراغ الديني وضعف العلاقة بين الإنسان وخالقه بالاكتئاب الروحاني، فإن أسباب الإصابة بالاكتئاب النفسي غير واضحة حتى الآن، ومع أنه يكثر في مناطق الكوارث والأزمات، لكنه رغم ذلك يكثر في دولة مثل فنلندا "أسعد بلد في العالم" وفق مؤشر السعادة العالمي، فثلث أعداد الوفيات بين الشباب في الفئة العمرية بين 15 و24 عاماً سببها الانتحار الناجم عن الاكتئاب، مما يعني أن السعادة وحياة الرغد لا يمثلا درع وقاية يمنع الإصابة بهذا المرض، كما أن هذا المرض وبخلاف "الاكتئاب الروحاني" يصيب العابد والتقي، وما ينبغي أن يفهمه الناس أن العبادات على أهميتها ليست الحل الوحيد للعلاج منه، هل يمكن لمريض السرطان أو الضغط أو السكري مثلاً أن يتعالج بالعبادات وحدها؟ قطعاً لا، فالدين لم يأمر بذلك، بل أن هذا النهج يخالف الأخذ بالأسباب وهو جزء أصيل في الثقافة الإسلامية!

الأسبوع الماضي؛ صعق المجتمع الأردني بانتحار طبيبة في أول عمرها، ولم يكن مستغرباً أبداً استهجان الناس والسؤال الذي تردد على ألسنتهم أكثر من سواه : "كيف طبيبة وانتحرت ؟!"، فللأسف ما زال لدى عموم الناس في بلداننا نقص معرفة شديد حول الأمراض النفسية التي لا تفرق بين متعلم وغير متعلم، وبين شهادة وغيرها، فالعديد من الدراسات تؤكد أن فئة الإطباء هي الأكثر إصابة بالاكتئاب؛ بسبب ضغط العمل وبيئته غير الملائمة مادياً ومعنوياً لا سيما في العالم العربي، أضف إلى ذلك، المشاهد المؤلمة التي تمر عليهم يومياً، وقد تحدث الأطباء عن هذا الأمر بإسهاب.

أكتب وكلي رجاء أن تستيقظ مجتمعاتنا من حالة الإنكار التي تعيشها، وأن تستوعب بأن الاكتئاب النفسي مرض حقيقي يفتك بصاحبه، ويجعله كمن يرتدي "فروة شتوية" في يوم صيفي شديد الحرارة، فيشعر وكأنه يلتقط أنفاسه من خرم إبرة، وينظر للحياة من خرم إبرة، ثم في نهاية المطاف يسلبه حياته ويدفعه للانتحار إن لم يسعَ جاهداً للعلاج، عندها لن تفيده النظرة المجتمعية الدونية للمرض النفسي، ولن تفده حالة الإنكار!

الدور الأكبر يقع على الحكومات والأطباء، فلا بد من حملات توعوية بخطورة هذا المرض وأعراضه التي لا تقل عن الانطواء وعدم الرغبة في العمل وقلة الإنتاجية وتساوي طعم الملح والسكر في فم المريض، ثم لا بد من توافر أقسام الأمراض النفسية في كل المستشفيات والمراكز الصحية، وإعادة النظر في ثمن كشفية زيارة الطبيب النفسي في القطاع الخاص، ففي دولة مثل الأردن تصل كشفية الطبيب النفسي إلى خمسين دينار أردني، وثمة تعليق ساخر يتداوله الأردنيون باستمرار، رداً على ارتفاع كشفية الطبيب النفسي: " أي هو أنا لو معي خمسين دينار بكتئب؟!"، هذا ناهيك عن أن غالبية شركات التأمين الصحي لا تغطي كلفة مراجعة العيادات النفسية ولا الأدوية الخاصة بالأمراض النفسية.