عبد الرحمن الربيعي.. العراقي الذي حطم الأبطال الوهميين

"أنا اليوم احمل الجنسيتين العراقية والتونسية، لكني أطمح بالحصول على الجنسية الفلسطينية، فأنا عربي، هكذا نشأت وهكذا تربيت، وفلسطين هاجسي، فهي آخر أرض عربية محتلة". لعل قائل هذه الكلمات، لم يأخذ حقه في الانتشار الواسع، كما غيره من الروائيين والكتاب العرب، لكن من يعرفه جيداً وقرأ أعماله سيعلم أنه عروبي حقيقي وكاتب فذ ولا يشق له غبار.

إنه الروائي والقاص العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي، المولود في مدينة الناصرية جنوبي العراق عام 1939، لكنه تغرب عنها في تونس، وراح يبحث عن مجالات إبداع ذات شمولية أوسع، فهو من المبدعين العراقيين الذين أكدوا في غربتهم، أنهم نوابغ من طراز خاص، رغم قسوة الاغتراب.

"فلاش باك" لسيرة هذا المبدع، تكتشف خلالها أنه عاصر جيل الستينيات؛ هذا الجيل الذي وجد نفسه في منعطف صعب من التاريخ العربي، وهو ما جعل مهمته شاقة لأنه يواجه أوضاعاً موبوءة، بسبب الاستعمار ومخلفاته الخطيرة، والهزائم المتتالية.

كل ذلك وغيره أورث جواً من الإحباط، والإحساس بنوع من الانكسار، خصوصا أن الأحلام والآمال تم وأدها، ولم يعد أمام الشعوب في زمن الخيبات والإخفاقات سوى انتظار الخلاص، ولم يعد أمام النخبة المثقفة سوى المقاومة، وفتح جبهات الحرب، سواء من خلال النضال السياسي أو عبر الكتابة بجميع أشكالها وأنواعها.

لامس الربيعي خطورة هذا الوضع، فبادر من خلال الكتابة إلى التصدي لهذه الممارسات، وضرب بقوة في اتجاه البحث عن أفق، فكانت أعماله المتعددة؛ في القصة القصيرة والرواية والشعر، هي ملاذه الآمن للتعبير عن واقعه وآماله وأحلامه.

فإلى جانب أهم الروائيين في العراق، في تلك الفترة غائب أمثال طعمة فرمان؛ وفؤاد التكرلي؛ جبرا إبراهيم جبرا، رصد الربيعي مؤلف روايات: الوشم؛ والوكر: والأنهار؛ والقمر والأسوار؛ وعيون في الحلم؛ الواقع العراقي وتحولاته وتغيراته، مسجلاً بعمق الاختلالات التي حدثت في العراق، وأصابت الناس في طموحاتهم وأحلامهم.

 ولأن "الهم الأكبر" الذي يسكن الربيعي هو الكتابة بصدق، فالتزم بتسجيل الأحداث، لفهم ما وقع وما يقع دون مواربة، ووضع الأصبع على الجرح، فتراه في كل نص روائي يكتبه يختلف عن سابقه من حيث الزمن والسرد والموقف.

فمن منا لا يتذكر رواية الوشم التي عالجت في فترة مبكرة موضوع الاعتقال، وكشفت واقع المجتمعات العربية، المأساوية، بارزاً الجوانب الخفية، والمسكوت عنها، وذلك من خلال وعيه العميق بهذا الواقع وصراعاته وتناقضاته، والبحث في أعماق المجتمع والتقاط أحلام الناس.

فتجد أن الخيبة التي يحسها الإنسان العربي، لم تغب عن أعمال الربيعي، وبالتالي؛ فإن الخروج من القهر والظلم والبؤس الذي يتخبط فيه، والمقاومة الشديدة لأجهزة الأنظمة التي تعاقب كل من يخرج من بيت الطاعة، قد استطاع الربيعي أن ينقلها إلى عالمه الروائي ويحللها بشكل مختلف لم نجده في أعمال روائية أخرى.

مصائر الناس، وعلاقاتهم اليومية، وخيباتهم وأحلامهم وما يعيشونه وما يطمحون إليه، كلها كانت حاضرة في روايات الربيعي، منتقداً بشدة الحكومات والأنظمة التي كانت سبب رئيسي في إحباط شعوبها وسقوطهم في هوة الفقر والحاجة والحروب.

لا يمكن لي إلا أن أتذكر هذا الروائي المهم، ولا يمكن لمن قرأ رواياته، أن لا تهزه، وتترك وقعها عليه، لأنها تخاطب العقل والوجدان، ببراعة فائقة، فاستطاع أيضاً بكثير من الجرأة المفتقدة اليوم، أن يقدم للقارئ ما هو جديد ومسكوت عنه، محطماً بذلك كثيراً من الأبطال الوهميين، الذين يحاولون تغطية سقوطهم بالوشم، كما وصفهم.