"إحنا إلي بنعلمكم وبنربيكم!"

في قرية دقادوس، إحدى قرى محافظة الدقهلية الواقعة شمال شرق الدلتا بجمهورية مصر العربية،  التي ينتمي إليها إمام الدعاة محمد متولي الشعراوي، دفع عبدالله ابن العمدة حياته في سبيل تحرير بلاده من الإنجليز، إذ خرج في واحدة من المظاهرات الرافضة لمعاهداتهم ووجودهم برمته فلقي حتفه على يد وحشيتهم!

كان أبوه مسالماً مسلّماً لوجود الإنجليز في مصر، فامتيازات العمدة أعمته عن بطش الإنجليز واحتلالهم بلاده، لكن موت عبد الله أعاد له البصر والبصيرة، فتعهد أمام المعزين بالتخلي عن منصبه والمضي على سنّة ابنه في مقاومة الإنجليز، بل أنه قال للمعزين عبارة حقيقية وموجعة للغاية: "كلكم هنا بتعلموا ولادكم وتربوهم، أنا ابني هو إلي علمني ورباني!"

تذكرني هذه القصة بالجيل الشاب الذي حمل راية النضال في فلسطين وخارجها كأحسن ما يكون، الجيل الذي يعيد ضبط البوصلة كلما حاولوا حرفها، ويتنازل عن حمله وروحه في سبيل تحرير بلاده أو على الأقل تذكير الكبار الذين تنازلوا وسلموا بالأمر الواقع بأن العار سيظل يلاحقهم!

خذها من الشهيد إبراهيم النابلسي وحتى الشهيد عمر أبو ليلى، خذها من الشهيد رعد حازم وحتى الشهيد أحمد جرار، ستجد أبطالاً ساروا على نهج الشاعر إبراهيم طوقان حين قال: "الشباب لن يكلّ همه أن يستقل أو يبيد"، وهي القصيدة ذائعة الصيت التي حملت اسم "موطني" ولحنها الموسيقار اللبناني محمد فليفل في العام 1934!

في الأردن؛ انسحبت البطلة ميسر الدهامشة والبطل عبد الله شاهين نجمي المنتخب الأردني للتايكواندو للناشئين من بطولة العالم المقامة في بلغاريا قبل نحو أسبوعين، رفضاً لمواجهة لاعبين من الكيان المحتل، فرغم حداثة سنهما لكن عروبتهما أكبر عمراً وأثراً من كل المهرولين نحو السلام والتسوية، ميسر وعبد الله مثل غالبية الشعب الأردني لا يعترفان باتفاقية السلام الموقعة بين الأردن والاحتلال (اتفاقية وادي عربة) عام 1994.

هذا ليس موقف الدهامشة وشاهين فقط، أغلب الشباب العربي لم تنحرف بوصلته رغم وجود ألف سبب وسبب لحرفها، فما زالت فلسطين هواهم وهويتهم، ما زالت رسالتهم وقضيتهم، فكلما اشتعلت الأحداث هناك تحولت صفحات الشباب العربي على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مواقع إخبارية تنقل الأحداث، وتُعظم التحية للمرابطين والمقاومين، ولك أن تتخيل أن أحدث التقارير العبرية أظهرت أن الأردن ومصر يعتبران أكثر الدول معارضة للاحتلال، مشيرة إلى أنه على الرغم من هاتين الدولتين كانتا من أوائل الدول التي أبرمت اتفاقية سلام، إلا أن الرأي العام في كلا البلدين ما زال معارضاً لوجود خنجر الاحتلال في خاصرة فلسطين والدنيا عموماً.

هذا جيل لا ينسى، ولا يكل ولا يمل، وفي ذلك ما يجدد الأمل، فكلما حاول الكبار النسيان، جاءت بطولات الشباب لتعيد على مسامعهم العبارة إياها: "إحنا إلي بنعلمكم ونربيكم!"