داود جلاجل.. ورحل سلامة الخليلي!

في غير مقابلة أجراها، كان الفنان الأردني داود جلاجل، الذي رحل عن عالمنا يوم الثلاثاء 9 آب/أغسطس يعيد التصريح ذاته: "الفن الجيد لا يفقد بريقه"، والمتتبع للأعمال التي قدمها، يدرك تماماً أنه كان يتحرى الفن الجيد فعلاً، ويبتعد عن الظهور من أجل الظهور، وهو من الفنانين النادرين الذين وجهوا طاقاتهم الإبداعية صوب تنمية الطفل وزرع السجايا الحميدة فيه، ويشهد له بذلك البرنامج الشهير " المناهل"، ومسلسل "الأستاذ بهجت"، كما أن نشر الأخلاق والمبادئ في المجتمع السمة الغالبة في أعماله.

ولد داود جلاجل في قرية سلوان بالقدس العام 1947، ثم انتقل مع عائلته للعيش في عمّان مثل أي أسرة فلسطينية مهجرة،  وكان لسنوات نشأته وتكوينه في منطقة المهاجرين بعمّان القديمة وبما تحتويه من طابع تعددي، الأثر الأكبر في إبراز مواهبه وتأهيله ثقافياً للانخراط في الحياة الفنية بعد ذلك، ودرس القانون في جامعة دمشق، ورغم دراسة القانون إلا أن شغف التمثيل لم يفارقه، فانضم للمسرح الجامعي وبدأ مسيرته الفنية، وكأي فنان؛ كانت بداياته تشهد إخفاقات هنا ونجاحات هناك، غير أن اللحظة الفارقة في هذه المسيرة كانت حين تقمص شخصية "سلامة الخليلي" في المسلسل الأردني الشهير "العلم نور" الذي كانت فكرته تدور حول أهمية التعليم، بطريقة كوميدية ساخرة، وعن ذلك يقول: "منتج العمل لم يكن يثق بأن هناك من يستطيع تأدية الشخصية غيري، فأجبرني على تقمصها، لكنني طلبت منه أن يمنحني بعض الأيام حتى أتدرب عليها، فبدأت ألتقي بأصدقاء لي من مدينة الخليل، حتى تعلمت منهم اللهجة بحذافيرها ونغمتها ولحنها الخاص، وربما لهذا نجحت الشخصية نجاحاً باهراً"، وهذه الطريقة في تشرّب الشخصية كانت منهجه الدائم في العمل، فقد قال في مقابلة صحفية إنه يحاول أن يصنع من الشخصية التي يقرأها على الورق لحماً ودماً وعلاقات مع الأشخاص والأماكن، وربما ساعده ذلك على التلوين في مسيرته الفنية، فقد أجاد الأدوار الكوميدية والتراجيدية والبدوية والتاريخية، هو نفسه كان يقول بأن كلمة ممثل لا تقبل أي صفة بعدها، لا كوميدي ولا بدوي ولا تراجيدي ولا غيرها، فالممثل يجب أن يتقن كافة الأدوار، إلا أدوار التهريج!

عرف عن جلاجل عشقه الكبير للغة العربية وتمسكه فيها، حتى أنه كان صاحب موهبة كبيرة بكتابة الخط العربي، وهو من مؤسسي نقابة الفنانين الأردنيين.

كان الراحل صاحب مبدأ في كل أعماله، فقد كان داعماً للقضايا العربية والإنسانية، ويُجمع كل من عرفه على أن الابتسامة لم تكن تفارقه رغم حالة الضنك التي يعيشها الفنان الأردني وقلة الدعم الذي يحظى فيه!

رحل جلاجل، وفي قلبه غصة على تراجع الدراما الأردنية، سيما وأنه من صناع عصرها الذهبي في الثمانينات والتسعينات، وثمة غصة أخرى لأننا لا نتذكر المبدعين ونحتفي بهم إلا عند رحيلهم!