الصومال.. الأزمة التي لا تنتهي!

على مدار الأسابيع الماضية، لم تتوقف التحذيرات المحلية والعربية من دخول الصومال مجدداً في مجاعة تهدد حياة الملايين فيه، تزامناً مع أزمة الجفاف التي يعاني منها 40% من سكان الدولة.

رسمياً؛ دخل الصومال في "مجاعة كبيرة"، وفق ما أعلنه رئيس الدولة حسن شيخ محمود، وسط مطالبات باستجابة محلية ودولية سريعة لمساعدة بلاده في هذه الظروف، بعد ارتفاع أعداد الوفيات بسبب الجوع والجفاف وأزمة الغذاء التي خلفتها الأزمة الروسية الأوكرانية.

أسباب كثيرة وراء هذه المجاعة الجديدة؛ بداية من تداعيات أزمة الحرب الروسية الأوكرانية، ونقص مياه الأمطار في الموسمين الماضيين، الأمر الذي أضر سلباً على المحاصيل الزراعية في البلاد، وصولاً إلى الانعدام الشديد في الأمن الغذائي.

وليست هذه المرة الأولى التي يدخل فيها الصومال حالة المجاعة، فعلى طول العقود الماضية، شهد هذا البلد الإفريقي الفقير مجاعات عدة نتيجة للحروب والجفاف والاقتتال بين الحكومات والمجموعات المسلحة، مخلفة وراءها ملايين الضحايا بين قتيل ومشرد.

تاريخياً؛ في عام 1964، ضربت الصومال مجاعة سميت "عام جفاف المعكرونة"، حيث وزعت المعكرونة على المتضررين من هذه المجاعة، وراح ضحيتها الآلاف، ومن الأسباب التي أدت إلى تلك المجاعة توالي مواسم الجفاف وتصحر الأراضي الزراعية، ونفوق المواشي التي كان يعتمد عليها السكان في تأمين مشتقات الحليب، الأمر الذي أدى لانتشار الأمراض وسوء التغذية.

لم يخرج الصومال من أزمة الستينيات بسلام حتى دخل في أتون مجاعة جديدة عام 1974، حين شهدت البلاد أزمة سميت بـ "جفاف طويل الأمد"، وبدأت الحكومة آنذاك في تنفيذ برنامج لتوزيع المساعدات ونقل المتضررين من الناس إلى الأقاليم الجنوبية حيث يقع نهر جوبا وشبيلي.

وفي عام 1992، ضربت الصومال مجاعة كانت الأكبر، حيث نفقت المواشي وانتشرت الأمراض في ظل جفاف شديد أصاب البلاد، ولقي أكثر من 300 ألف صومالي مصرعهم، وزاد على ذلك مقتل الآلاف في حرب أهلية، ما تسبب بانتشار الفوضى وانعدام الأمن لتزيد الكارثة على الصوماليين.

أما في عام 2011، فقد أعلنت منظمة الغذاء العالمية أن المجاعة التي ضربت البلاد بين عامي 2010 و2012 أودت بحياة أكثر من 260 ألفًا من سكان البلاد، وكما الموجات السابقة من المجاعة، فقد ضرب الجفاف الأراضي وارتفعت أسعار المواد في ظل فقر مدقع، ما أدى إلى نزوح مئات الآلاف وترك المناطق الزراعية التي لم تعد صالحة للاستخدام.

وبعد سنوات مضت؛ تجددت كارثة جديدة في الأراضي الصومالية حين مات المئات نتيجة للجفاف الذي ضرب البلاد عام 2017، وأعلن الرئيس الصومالي وقتها، محمد عبد الله محمد، أن الجفاف بات "كارثة وطنية"، وقد أثر على أكثر من 6 ملايين شخص وهو ما يعادل نصف السكان.

اليوم؛ تعاني هذه الدولة من تبعات الأزمة العالمية إضافة إلى التغير المناخي، وهما الأزمتان اللتان تضربان العالم بأكمله، لكن كما العادة فإن الصومال يتضرر أكثر وأسرع من غيره، فلم ينته من مجاعة حتى يدخل في أخرى دون أن يستطيع علاج ما يحل به.

في هذه المرحلة المهمة والحساسة؛ مطلوب من المجتمع الدولي مضاعفة جهوده ودعم الشعب الصومالي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذه الدولة، مع ضرورة تكاتف دول العالم فيما بينها بوجه الأزمات والمجاعات، ووضع مقاربة شاملة للمشكلة الصومالية بكل أشكالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يحقق آمال وتطلعات الصوماليين في الاستقرار وتحقيق الأمن الغذائي والسلام والتنمية الاقتصادية.