مصطفى صادق المنفلوطي.. "النظرات" التي شغلت الناس.. و "العبرات" التي عبرت عنهم!

ربما كان لإتمام حفظ الأديب والشاعرالمصري المعروف مصطفى لطفي المنفلوطي القرآن الكريم وهو في التاسعة من عمره، أكبر الأثر في تفجر موهبته الأدبية وبزوغ شمسه التي لم تغب رغم أنه بعد سنتين من الآن، وبالتحديد في 24 أيار/ مايو من عام 2024 سيكون قد مر قرنٌ كامل على رحيله، فما زال حاضراً بقوة، فلا يمكن أن تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي دون أن تجد الناس يتداولون يومياً عبارة من عبارته، إنه المنفلوطي الذي ناهض الاستعمار الإنجليزي، وحمل لواء نهضة الأمة متأثراً بشيخه الإمام محمد عبده، وكانت الحرية بالنسبة له هي النور وما دونها الظلام، فهو الذي قال :

"الحرية شمسٌ يجب أن تشرق في كل نفسٍ، فمن عاش محروماً منها عاش فى ظلمة حالكة يتصل أولها بظلمة الرحم وآخرها بظلمة القبر"

الإمام محمد عبده.. الأستاذ والمُلهم

في مدينة منفلوط، إحدى مدن محافظة أسيوط، ولد مصطفى لطفي المنفلوطي عام  1876 لأب مصري وأم تركية، ولعائلة مشهورة بالتقوى والعلم، فأهله حملوا لواء القضاء الشرعي والعلم لقرنين من الزمان، فسار هو على سنة آبائه، فبعد التحاقه بكتاب القرية وإتمام حفظ القرآن الكريم، أرسله والده إلى الأزهر، ومكث هناك عشر سنوات يتعلم علوم العربية والقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والقرآن الكريم والتاريخ والفقه، بالإضافة إلى الأدب العربي، وهو شغفه الأكبر، فقرأ لأبي تمام والبحتري والمتنبي، وابن المقفع، وابن خلدون، والجزري، مما مكنه أكثر من اللغة، وفتح مداركه على الإبداع الأدبي، فاستزاد منه، واتخذه عتاداً بدأ من خلاله الكتابة.

لكن النقطة المفصلية في حياة المنفلوطي كانت حين اتصل بالإمام محمد عبده الذي كان نابغة عصره في العلم، فلزم حلقاته ومحاضراته، وانبهر بشروحاته العميقة لآيات القرآن الكريم، ومعاني الإسلام بعيداً عن التزمت والخرافات، فأحبه حباً شديداً، لدرجة أنه سُجن من أجله ستة أشهر، بسبب قصيدة هجا الخديو عباس حلمي الثاني بعد عودته من السفر، وكان الأخير على خلاف مع محمد عبده، يقول مطلع القصيدة:

قدومٌ ولكن لا أقول سعيد.. وعودٌ ولكن لا أقول حميد

النظرات والعبرات.. الوجه الجميل للأدب الحديث

يبدو أن المنفلوطي تأثر كثيراً بوفاة محمد عبده، فعاد إلى بلده سنتين، وبدأ خلالها الكتابة الصحفية بصحيفة (المؤيد) الشهيرة في حينها، وكانت كتاباته تحت عنوان "نظرات"، فجُمعت بعد سنوات في ثلاثة أجزاء شهيرة تحمل اسم "النظرات" وتعالج قضايا اجتماعية وإسلامية ووجدانية بطريقة أدبية فذة، كان هذا الكتاب، بالإضافة إلى كتاب العبرات الذي يضم تسع قصص ألف ثلاثة منها، وعَرَّب خمسة، واقتبس واحدة، من أشهر وأبلغ ما كُتب بالأدب العربي في العصر الحديث.

وصاغ المنفلوطي روايات عدة، بعد نقلها وترجمتها عن الأدب الفرنسي، ومن ضمنها : (بول وفرجيني)، و (الشاعر)، و(تحت ظلال الزيزفون)، كما أنه سار على درب معلمه محمد عبده، فقدم العديد من الأبحاث التي رصدت تعاليم الدين الإسلامي ودافعت عنه وفندت مواضع الالتباس فيه أو التي طرأت عليه.

لكن أبرز ما كان يميز كتابات المنفلوطي، بالإضافة إلى اللغة الرشيقة والمفردات الاستثنائية، أنها دعت للإصلاح، والتهذيب الخلقي، والتحلي بالفضائل ونبذ الجهل والكسل والخرافات، ولم تخلِ مؤلفاته من الحرص الشديد على إظهار فكرة أن الأخلاق أساس كل شيء، ولذلك اعتبرها النقاد مرجعاً لتهذيب الأخلاق وتقويم السلوك البشري.

يقول المنفلوطي عن الأخلاق:

" الخلق هو شعور المرء بأنه مسؤول أمام ضميره عما يجب أن يفعل، لذلك لا أسمي الكريم كريما حتى تستوي عنده صدقة السر وصدقة العلانية، ولا الرحيم رحيماً حتى يبكى قلبه قبل أن تبكى عيناه، ولا العادل عادلاً حتى يقضى على نفسه قضاءه على غيره، ولا الصادق صادقا حتى يصدق في أفعاله صدقه في أقواله"

ليس سياسياً، ولحزنه ما يُبرره

مثل كل الأدباء والمثقفين، لم ينفك المنفلوطي عن العمل السياسي، فكان من أكثر المقربين لسعد زغلول والداعمين لأفكاره، هذه العلاقة هيأت له عملاً في وزارة المعارف، وعملاً آخر في وزارة الحقانية، إلا أنه وبالرغم من ذلك ينفي عن نفسه صفة السياسي أو حبها، إذ يقول : "أنا لا أحب أن أكون سياسيًا، لأني لا أحب أن أكون جلادًا، لا فرق عندي بين السياسيين والجلادين، إلا أن هؤلاء يقتلون الأفراد، وأولئك يقتلون الأمم والشعوب... أيستطيع الرجل أن يكون سياسيًا إلا إذا كان كاذبًا في أقواله وأفعاله، يُبطن ما لا يظهر، ويظهر ما لا يظن، ويبسم في موطن البكاء، ويبكي في موطن الابتسام ؟

توفي المنفلوطي عن عمر 48 عاماً، حيث أصيب بالشلل قبل وفاته بقرابة الشهرين دون أن يعلم أحد بما أصابهـ وبعد أن أقنع نفسه بأنه لا داعى للعلاج، وكان دائمًا لديه اليقين بعدم قدرة الأطباء على تشخيص حالته أو علاجه مما جعله يتحمل ما أصابه دون أى رغبة فى العلاج، فأصابه التسمم ورحل تاركاً أدباً لا يموت، وعمقاً لا يُردم، وحزناً في حروفه يظل يتفتح كلما تجدد الحزن في النفس البشرية، فواحدة من الانتقادات القليلة التي رُمي بها المنفلوطي أنه نثر البؤس والحزن الشديد في كتاباته، لكنه معذور، وإذا عُرف السبب بطل العجب، فقد دفن أربعة من أولاده واحداً تلو الآخر، ولعله دفن السعادة معهم، فبعد دفن آخر واحد منهم كتب قائلاً : " " دفنتُك اليوم يا بني، ودفنتُ أخاك من قبلك، ودفنتُ من قبلكما أخويكما؛ فأنا في كل يوم أستقبل زائرًا جديدًا، وأودع ضيفًا راحلاً، فيا لله لقلب قد لاقى فوق ما تلاقي القلوبُ، واحتمل فوق ما تحتمل من فوادح الخطوب!"