صادق جلال العظم.. فارس الكلمة في زمن الطغاة!

حين كان كل معلم مدرسة أو كاتب مبتدئ في جريدة يطالب الناس بأن تناديه "أستاذ" كان المفكر السوري الأبرز، صادق جلال العظم، يقول لكَ ببساطة: "نادني صادق من فضلك"، مقدماً نفسه "كمثقف ومفكر وكاتب حاول ما استطاع الاقتداء بالحكمة السقراطية القائلة بأن الحياة غير المفحوصة جيداً غير جديرة بأن تعاش أصلاً".

هذا هو العظم؛ المولود عام 1934، أحد أهم مفكري القرن العشرين في العالم العربي، وأشهر منظري العلمانية في التاريخ الحديث، والذي يوصف بأنه من أبرز "العقلانيين العرب" بعد أن أثارت آراؤه جدلاً كبيراً وخاض معارك فكرية متعددة بسبب كتاباته، وحُكم عليه بالسجن إثر نشره كتابه "نقد الفكر الديني".

وعبر ثمانية عقود تعددت فيها انشغالات ومواقف العظم؛ تنوعت كتاباته التي اعتمدت المنطق العلمي التجريبي بين النقد السياسي والديني وفض الاشتباك بين الديني والدنيوي وقطع الحبل السري بينهما وتحريض الوعي العربي على التفكير وفحص كل يقينياته ومسلماته.

لكن في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ومع تغير المناخات الأيديولوجية، اشتغل الراحل على ما هو فكري وثقافي معرفي أكثر منه سياسياً، لكنه لم يتراجع عن اعتماده التفكير العقلاني والمادية الجدلية في نقد الظواهر الثقافية المختلفة والتراث بأدوات علمية.

فخاض في كتابيه "نقد الفكر الديني" و"النقد الذاتي بعد الهزيمة"، الصادرين عقب هزيمة يونيو 1967، مواجهة جريئة ومبكرة في ممارسة النقد الذاتي سياسياً وثقافياً ومجتمعياً، تجاه الأنظمة السلطوية، وعرى التناقضات الموجودة في رحم الواقع العربي، محاولاً التجديد وبناء واقع مغاير.

وعلى وجه التحديد، في كتاب نقد الفكر الديني، قام العظم بتوجيه أحد أسلحته العلمية ضد شيوع الخرافة والتلفيق لمحاولات دمج الدين مع الأطروحات العلمية والفكرية والسياسية الحديثة بشكل قسري، والذي غايته النهائية إيجاد نزعة إيمانية ذات قداسة تحميها من النقد في حال ثبوت فشلها وهزيمتها.

للعظم الذي توفي عن عمر يناهز 82 عاماً في ألمانيا، مؤلفات عديدة، أهمها: "نقد الفكر الديني"، "الحب والحب العذري، "فلسفة الأخلاق عند هنري برغسون"، "دراسات في الفلسفة الغربية الحديثة"، "دراسات يسارية حول القضية الفلسطينية"، "الصهيونية والصراع الطبقي"، "زيارة السادات وبؤس السلام العادل"، "الاستشراق والاستشراق معكوساً".

تولى العظم مسؤوليات أكاديمية عدة، من أهمها أستاذ للفلسفة والفكر العربي الحديث والمعاصر في جامعة نيويورك والجامعة الأميركية في بيروت، وفصل منها بعد الضجة الكبيرة التي أثارها صدور كتابه نقد الفكر الديني، والتي أدت إلى سجنه فترة بسيطة بعد محاكمته بسببه ومن ثم تبرئته، لينتقل إلى الأردن للتدريس فيها، ثم يمنع من دخول الأردن، قبل أن يعود إلى دمشق ليعمل أستاذاً في جامعتها.

وخلال حياته المهنية، حصل العظم على جوائز عدة؛ ففي عام 2004 حاز على جائزة "ليوبولد لوكاش للتفوق العلمي" التي تمنحها جامعة توبنغن الألمانية، ومنحه معهد "غوته" وسام الشرف الألماني عام 2015، وفي عام 2016 أعلنت عائلته تأسيس مؤسسة "صادق جلال العظم"؛ بهدف المحافظة على "إرثه الفكري والثقافي واستمراريته".

رحل آخر المفكرين السوريين، تاركاً خلفه فكراً كاملاً، ومخلفاً عدداً كبيراً من الأصدقاء والصديقات والقراء الذين بكوا رحيله، فيراه البعض مدرسة بحد ذاتها، بينما نعاه كثيرين باكياً بذكرى أو كلمة أو حادثة، لكن الكل أجمع أن شجاعته لم يكن لها مثيل.