كل شيء تمام!

تشعر كغيرك مدى فقدان الأمل عند أغلب الناس، بعد أن باتت الحياة أصعب وأقسى وأكثر ضغطاً عليهم، حتى تكاد تتلمس ما تفيض به صدورهم التي أغرقتها الهموم والديون والمشكلات النفسية والاجتماعية، والأهم خوفهم الواضح من القادم.

فهناك غلاء يطحن جيوبهم، ومديونية عالية، وضرائب من كل حدب وصوب، لتلحقهم فواتير كهرباء ومياه وإنترنت، وقسط البيت وقرض البنك ومدارس وجامعات ومأكل ومشرب ومناسبات لم تكن في الحسبان.. إلخ.

هذه الجولة الشهرية التي تحضر بقوة أمام أعين الرجال والنساء، دون أي تحسينات تذكر للدخول والظروف المعيشية للناس، لا تبشر بأن "أجمل الأيام لم تأتِ بعد"، ولا تشير إلى تغيير حقيقي على المدى القريب، وما تزال أوضاعنا في خطر، حتى أن صدورنا لم تعد تتحمل كل هذه الضغوط، فتجد الانفجار والسخط الشعبي يسيطران على الصغار والشباب قبل الكبار!

كل هذه الهموم اليومية، تأتي ونحن نشهد مشكلات وتحديات مجتمعية عدة، ليس أولها تزايد جرائم القتل في المملكة، وإهمال معاناة العمال، كما شاهدنا في حادثة العقبة الأخيرة، مقابل معاناة الأطفال وذوي الإعاقة والنساء وكبار السن، فضلاً عن ملف الأخطاء الطبية والصحية الذي ما يزال يراوح مكانه منذ عقود.

وليس ملف مشاركة الشباب وانخراطهم في العمل الحزبي والحياة السياسية بمنأى عن تلك التحديات، فثمة قلق وتخوف واضحين لدى الشباب من العمل السياسي، لأسباب مفهومة ومعروفة، وربما أهمها انقطاع الأمل من التغيير والتجديد.

اللافت أيضاً، أن موجة ارتفاع الأسعار غير المسبوقة في أسعار السلع والمواد الغذائية والأولية التي تشهدها المملكة والمنطقة العربية ككل، لا حلول لها في الأفق، بل تزداد تعقيداً واتساعاً، لتنعكس بالدرجة الأولى على حياة الناس، خصوصاً محدودي الدخل والطبقة المتوسطة.

ماذا عن الإصلاح المنشود؟ كافة القراءات تؤشر اليوم إلى أن الأمور لا تسير في الاتجاه الصحيح، وأن القوى السياسية والحزبية والنقابية والمدنية عموماً تنظر إلى الأوضاع العامة بشكل سلبي وغاضب حيال انحراف مسار الحكومة عن تحقيق الإصلاح المطلوب.

الحقيقة الثابتة؛ تفاقم الغلاء والفقر والبطالة والفساد، بل وساءت الأحوال المعيشية والمالية لمعظم سكان هذه المنطقة، بعد أن تدحرج الملايين من دائرة الفقر إلى الفقر المدقع، حتى نسينا أحلامنا بعدالة اقتصادية واجتماعية والقضاء على الفساد وتوفير فرص عمل مناسبة وحياة كريمة للجميع.

ومن قاعدة "الشيء بالشيء يذكر"، استيقظت في ذاكرتي لوحة طريفة من حلقات المسلسل السوري مرايا، تعبر عن حياة الأردني والعربي بشكل عام. تروي الحلقة قصة حوار قصير بين مزارع عاد إلى أرضه بعد سفر طويل، ليستقبله ابنه بوابل من النوائب والمصائب التي حدثت له خلال فترة سفر الأب.

المزارع الذي كان فرحاً بعودته، ويبدأ بتوجيه الأسئلة لأبنه عن أوضاعهم وأحوالهم وأرضه، لم يجد من الأبن سوى جواب واحد: "كل شيء تمام"؛ ليكتشف بعدها بيع أرضه وسجن ابنه الأصغر ووفاة زوجته وتراكم الديون عليهم، لتنتهي الحلقة بتطمين الأب مرة أخرى بجملة "لا تهكل هم ... كل شيء تمام"!

وها نحن في الأردن؛ ندعيّ أننا بخير وأن أمورنا "تمام"، وهي عكس ذلك تماماً، لكننا نأمل أن يكون القادم أجمل ويحمل معه بذور الأمل، وأن يكون هناك فجراً جديداً يعقب كل هذا السواد!