الباروميتر العربي: نصف الشباب الأردني يرغب الهجرة، وأغلب الدول العربية ليست أحسن حالاً!

منذ بدايات الربيع العربي وحتى اليوم، لم تتكرر جملة أو تحظ بالاهتمام والدراسة كما حظيت جملة "الشباب العربي يرغب بالهجرة"، ومع كل دراسة يتبين أن نسبة الراغبين بالهجرة تتفاقم!

هذه ما أثبتته دراسة حديثة بعنوان "الهجرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، صادرة عن الباروميتر العربي وهو شبكة بحثية مستقلة وغير حزبيّة، تقدم نظرة ثاقبة عن الاتجاهات والقيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمواطنين العاديين في العالم العربي، إذ كشفت الدراسة التي كانت نتاج عشر استطلاعات رأي ممثلة لمستوى الدولة عبر منطقة الشرق الأوسط  وشمال إفريقيا في الفترة 2021 – 2022  أن الرغبة في الهجرة تبلغ معدلات عالية في المنطقة.

الأردن في المقدمة.. فما الذي ينذر بالخطر؟

بينت الدراسة أن الراغبين في الهجرة أغلبهم من الذكور من الفئة العمرية بين 18-29 سنة، ومن الفئات الحاصة على تعليم جيد في بلدانها، فيما حل الأردن في المرتبة الأولى من حيث نسبة الشباب الراغبين في الهجرة، إذ بلغت النصف تقريباً (48%)، ولم تكن نسب أغلب الدول التي شملتها الدراسة أحسن حالاً، فقد حل السودان ثانياً بنسبة (46%)، وتونس ثالثاً بنسبة (45%)، وجاء لبنان في المرتبة الرابعة بنسبة (38%)، والعراق في المرتبة الخامسة بنسبة (35%)، والمغرب في المرتبة السادسة بنسبة (34%)، أما فلسطين فقد احتلت المرتبة السابعة بنسبة (25%)، وجاءت ليبيا ثامنة بنسبة (20%)، فيما كانت مصر وموريتانيا الأقل بين الدول التي يرغب شبابها بالهجرة، فالأولى بلغت نسبتها (13%) والثانية (15%).

وفي حين كانت الأوضاع الأمنية أحد أبرز الأسباب للرغبة بالهجرة، أظهرت الدراسة أن الأمور لم تعد كذلك، أو أن هذا السبب تراجع لصالح الأوضاع الاقتصادية التي كانت السبب الرئيسي للرغبة بالهجرة، وتعليقاً على تصدر بلد مستقر مثل الأردن قائمة الدول التي يرغب مواطنوها بالهجرة، علق مدير الباروميتر العربي مايكل روبينز قائلاً: "هذا رقم ينذر بالخطر بالنسبة لبلد يبدو أنه من أكثر الدول استقراراً"

وهذا لا يعني أن الظروف الأمنية والسياسية وفرص التعليم كذلك لم تكن من أسباب الرغبة بالهجرة، لكن الدراسة أكدت أن الظروف الاقتصادية كانت الأكثر شيوعاً، ففي مصر كانت نسبة الراغبين بالهجرة بسبب الأوضاع الاقتصادية (97%)، وفي الأردن (93%).

الرغبة بالهجرة غير الرسمية تتضاءل

بحسب الدراسة، فإن أميركا الشمالية كانت الخيار المفضل لدى أغلب الراغبين بالهجرة، لا سيما سكان الأردن ولبنان وموريتانيا، في حين اختار المصريون والسودانيون دول الخليج، وذهبت أماني مواطنو شمال إفريقيا صوب فرنسا وباقي دول القارة العجوز (أوروبا)، بينما كانت تركيا خيار ربع الفلسطينيين الراغبين بالهجرة.

وبدا لافتاً تضاءل نسبة الراغبين بالهجرة غير الرسمية (بدون الأوراق الرسمية اللازمة)، وهو ما كان شائعاً في زمن الربيع العربي والسنوات التي تلته، إذ أبدى عدد قليل ممن شملتهم الدراسة رغبتهم فيها، لا سيما في المغرب، حيث أكد أغلب الراغبين بالهجرة عدد ممانعتهم للهجرة غير الشرعية، أما في لبنان فبلغت نسبة الراغبين بالهجرة غير الرسمية (19%)، بينما بلغت نسبتهم في مصر (13%) .

الحياة الكريمة وطن أيضاً!

بشكل عام، فإن عدد الراغبين في الهجرة في الدول العربية سيظل في ازدياد متناسب مع تردي الحالة الاقتصادية، وانتشار البطالة بشكل واسع بين الشباب، وحجم الإهمال الذي يغلف السياسات المتعلقة بهم، فضلاً عن عدم التوافق الكبير بين المهارات المكتسبة في الأوساط الأكاديمية واحتياجات سوق العمل، مما يدفعهم للتفكير بالهجرة، وربما تكمن الحلول بسماع صوت الشباب، وإشراكهم في صنع السياسات الخاصة بهم والتي من شأنها مكافحة هجرة الأدمغة والكفاءات، فتهميشهم والتقليل من أهمية مشاركتهم المدنية يضعف إحساسهم في الانتماء، ومما لا شك فيه أن ضعف إحساس المواطن بالانتماء لوطنه لا يقل أهمية عن الأوضاع الاقتصادية التي تدفع به إلى الهجرة، وإن كانت أسباب الهجرة متداخلة ومترابطة، فهذا يؤدي لذاك !

لعل صناع القرار ينتبهون لمثل هذه الدراسات، فهي تدق ناقوس الخطر، وتؤكد بما يغلق أبواب الشك أن طموح الإنسان بحياة كريمة هو بالنسبة له وطن توازي أهميته أهمية الوطن الذي يعيش فيه!