في ملف الأخطاء الطبية مرة أخرى!

تابعنا بحسرةٍ كبيرة قصة الشاب الأردني، محمد البياري، الذي انضم لمئات المواطنين الذين وقعوا ضحايا مسلسل الأخطاء الطبية والإهمال والتقصير، وليعيد إلى الواجهة قضية هشاشة المنظومة الصحية في المملكة والمنطقة العربية بشكل عام.

بدأت قصة البياري قبل نحو 13 عاماً، حينما دخل إلى مستشفى في إحدى نواحي العاصمة عمّان، لإجراء عملية "انحراف وتيرة"، إلا أن حياته انقلبت راساً على عقب، بعد أن تلقى جرعة كبيرة من التخدير من شخص غير مؤهل بشكل قانوني، متعرضاً للإهمال والتقصير، الأمر الذي تسبب له بضمور وتلف بالدماغ، وشلل كامل بأطرافه العلوية والسفلية.

وبعد كل هذه السنوات، يتم اليوم تعويض الشاب مبلغ 400 ألف دينار أردني، لكن بالتأكيد لن يعوض هذا المبلغ بكاء ومعاناة والدته التي صرخت بأعلى صوتها: "أريد ولدي غير مشلول، أريد زهرة حياتي، أريد مهجة روحي.. مهما كلف الثمن".

مساءلة الأطباء الذين يخطئون في التشخيص مطلوبة، ولا يمكن التهاون بها، بعد قصة البياري الموجعة، مع التأكيد أيضاً على ضرورة تطبيق قانون المساءلة الطبية الصادر عام 2018، وإحالة المقصرين للقضاء لتطبيق العدالة وإنصاف المتضررين، ولكن للأسف لن يحل وحده المشكلة، ولن تنهض الخدمات الطبية به فقط.

فبعد مد وجزر وجدل على مدار 16 سنة مر قانون المساءلة الطبية، وحاولت قوى كثيرة ومتضررون من هذا القانون تعطيله مراراً، حيث رفضته نقابة الأطباء منذ عام 2009، وأُدخلت عليه تعديلات كثيرة لأكثر من ثماني مرات، من بينها عدم جواز توقيف مقدم الخدمة، أو المشتكى ضده المتسبب بالأذى أو الوفاة خلال النظر بالشكوى.

ولعقود عدة، تئن الخدمات الطبية في بلادنا وتتراجع، فالمستشفيات سواء الخاصة أو الحكومية في حالة يُرثى لها، وبات ملف الأخطاء الطبية يشغل الشارع الأردني، وسط مطالبات واسعة بتزويد المستشفيات والمراكز الطبية بالكوادر المؤهلة القادرة على أداء عملها بكل احتراف.

‎وما يؤكد نقص الكوادر الطبية في المستشفيات، ما كشفته إحصاءات وزارة الصحة عن تناقص عدد الأخصائيين العاملين في وزارة الصحة من 1214 أخصائياً عام 2015 إلى 1055 أخصائي عام 2020، بنسبة تراجع تساوي 13%.

ووفق المعطيات المتوفرة، فإن متوسط النسبة الفعلية لعدد الممرضين مقابل المرضى في أحسن الأحوال تراوح بين ممرض/ ممرضة لكل 5 – 7 مرضى عناية حثيثة، وممرض/ ممرضة لكل 10 إلى 20 مريضاً، وأحياناً لعدد مرضى أكثر من ذلك.

فيما بلغ عدد القضايا التي تم تحويلها للجنة الفنية العليا المشكلة بموجب قانون المسؤولية الطبية والصحية نحو 318 قضية خلال عامين، وفقاً لرئيس اللجنة عبد الهادي بريزات، الذي يؤكد في هذا السياق أن "الأخطاء الطبية في حال وقوعها سببها المنظومة الصحية بشكل عام وليس الطبيب نفسه".

وعرف القانون الصادر العام 2018، الخطأ الطبي بأنه: "أي فعل أو ترك أو إهمال يرتكبه مقدم الخدمة ولا يتفق مع القواعد المهنية السائدة ضمن بيئة العمل المتاحة، وينجم عنه ضرر".

هذا التعريف، وبحسب ورقة أصدرتها منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض)، في شهر مايو/ أيار 2022، بعنوان "جودة الخدمات الصحية والمسؤولية الطبية"، فإن: "العديد من المكونات التي أشار إليها المشرع الأردني داخل التعريف لم يتم تفعيلها بعد، وتحديداً أهمية وجود قواعد مهنية، وهي نقطة بحاجة إلى إقرار وتطوير نظام خاص بها؛ والإشارة إلى بيئة العمل المتاحة التي تتطلب توفير بيئة عمل مناسبة قادرة على تهيئة الظروف المناسبة لمقدمي الخدمات الطبية".

اللافت أن المستشفيات الأردنية خصوصاً في الفترة الأخيرة، تحفل بقصص عدة للأخطاء الطبية المؤلمة، بعضها أودى بحياة الضحايا، وأخرى تركت خلفها ندوباً وعاهات لا يمحوها الزمن، لكن الحكومة ترد بأن هذه الأخطاء موجودة حتى في الدول المتقدمة طبياً، مثل كندا والولايات المتحدة، إذ تشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من مليوني شخص حول العالم يموتون سنوياً بسبب أخطاء طبية.

القضية إذن ليست فقط في تفعيل القانون، بل في تأهيل الكوادر الطبية ورصد ميزانيات كافية لتدريبهم وتحسين ظروفهم المعيشية وتخفيف الضغط الجسدي والنفسي عليهم وتهيئة بيئة تساعدهم للقيام بعملهم الرفيع بأكمل وجه، مع الآخذ بعين الاعتبار ضرورة استحداث وتطوير النظام الصحي في كل العالم وفي الأردن بشكل خاص، واحترام كرامة الإنسان المريض وحقه في الحصول على الرعاية الطبية الجيدة.