بعيداً عن السياسة!

تتزاحم الأفكار والأخبار في رأسي كلما حان موعد كتابة مقالتي الاسبوعية، وأرى كل فكرة أو خبر جديرة بالاهتمام والكتابة عنها، ثم أبدأ بالمفاضلة بينها، لكني أجد يداً تدفعني للكتابة لأنها الوسيلة الوحيدة للتعبير عن حنقنا وحزننا على ما يجري بالساحة العربية في كل المجالات، وأخرى تشدني للخلف، محاولة إحباطي بسؤال مفاده: وهل ثمة جدوى للكتابة في أيامنا؟!

لكنني أختار الكتابة، فهي خلاصي ومهربي مني قبل أن تكون مهربي من غيري، ومن كل هذا الأسى الذي نعيشه، ثم أبدأ بالمفاضلة من جديد:

سأكتب عن رأس الأفعى التي تتدخل في شؤون العرب، وتقودهم كيفما شاءت، الأفعى التي لدغتنا مراراً في العراق وفلسطين واليمن وسوريا وليبيا، وما زال سُمها يسري في أوصالنا ولم نحاول الخلاص منه، لم نتب من الاقتراب منها، ومن تسليمها رقابنا!

ثم أقول في نفسي: لا لا! هذه كتابة لا جدوى منها، كيف تتخلص دول العالم الثالث من رأس الأفعى وهي التي تأمر الدول العظمى فتطيع؟ كما أن الكتابة عنها قد تورطني بتهمة تعكير صفو العلاقات مع "دولة صديقة"، ثم أن الناس ملت السياسة أصلاً!

سأكتب عن إضافة إحدى المدن الخليجية للوحة الطيران الإسرائيلي في مطار بن غوريون.. هل هذه مقدمة لدخول دولة عربية جديدة في قائمة التطبيع؟

لماذا أكتب عن هذا الأمر؟ وما جدوى هذا السؤال؟ الأمور واضحة للعيان وهي مسألة وقت ليس إلا، ثم أن التطبيع صار عنوان المرحلة، ويبدو أنه الوحيد الذي سيجمع كلمة العرب ويوحد صفهم!

ألم تقل قبل قليل إن الناس ملت السياسة؟ ابحث عن موضوع آخر!

سأكتب عن الجرائم الفظيعة التي باتت بديلة لـ "صباح ومساء الخير" في العالم العربي: ابن يقتل والده، أب يقتل ولديه أو طفلتيه، رفضت أن تحبه فقتلها، رفض أن يطلقها فطلقت روحه من جسده...

آخر هذه الآخبار المفجعة كان عنوانه "رجل وزوجته يقتلان بعضهما طعناً بالسكاكين بمحافظة أربيل العراقية!"

لا شك أن للنهج الاقتصادي الفاشل دورٌ كبير في تفشي هذه الجرائم، إنه الفشل الذي كان نتيجة حتمية للنهج السياسي الأكثر فشلاً!

أظل أدور وأعود للسياسة!

بعيداً عن السياسة تماماً، وفي خبر فني أبدى محمد رمضان استيائه من اتهامه بنشر الفساد والعنف بسبب أعماله، وأوضح قائلاً: "كل جريمة بتحصل بيلزقوها بأفلامي ومسلسلاتي والأغاني، وده خلاني في لحظة أشك إني سبب الأزمة بين روسيا وأوكرانيا!"

من المسؤول عن دخول الشك إلى قلب الحمل الوديع بأنه سبب الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، ولماذا نهرب من السياسة إلى الفن، فنجد أهل الفن يتحدثون في السياسة؟!

لكن أين الغرابة؟ فالسياسة لا تنفصل عن الفن، لأنها فن التمثيل على الشعوب، والغناء على مآسيهم، والرقص على أوجاعهم!