رحل الرجل الكبير!

طوال حياتي، لم يهزني موقف مثلما فعلت بيّ كلمات الأستاذ علي في رثاء أخيه المناضل والبطل أحمد (أبو صالح) في التحفة الدرامية الشهيرة "التغريبة الفلسطينية" التي لا تزال الأجمل والأصدق والأكثر عمقاً حتى وقتنا الحاضر.

في ذلك المشهد الموجع الذي يفتتح به مخرج العمل الراحل حاتم علي مسلسله، يقول علي (الفنان تيم حسن): "رحل الرجل الكبير، وتركني وراءه أتساءل عن معنى البطولة؟ لم تعلن خبر وفاته الصحف والإذاعات، ولم يتسابق الكتاب إلى استدعاء سيرته وذكر مآثره".

تلك الكلمات التي خطها المؤلف والكاتب د. وليد سيف، لم يكن القصد بها فقط رثاء أحمد (الفنان جمال سليمان)، لكنها كانت تبحث في سيرة رجل فلسطيني هده التعب والشقاء منذ نعومة أظفاره ليكبر على أبشع احتلال عرفه التاريخ البشري، ومن ثم تبدأ معاناته وأهله بالتهجير القسري واللجوء وظلم أهالي القرية لهم.

لتكتمل هذه اللوحة البصرية سرد قصة أحمد البطل والمجاهد والثائر على الظلم، والحامي لأهله وأرضه وعرضه، ويتمنى الموت لكل الأعداد، وتبقى الأرض!

أحمد؛ مثل غيره من الفلسطينيين الثائرين على الظلم والاستبداد، وتشبه قصته سيرة كثيرين في هذا الشرق المنكوب، ممن لم ينعموا طوال حياتهم بالهدوء والاستقرار والسير جنب الحائط، فتراهم يدفعون طاقاتهم وأجسامهم وحياتهم كلها لغيرهم، دون مقابل!

لما تذكرت كلمات علي؟ وما هو السر في أن تبقى كلماته عن أخيه حاضرة في نفوس بشرية كثيرة، أحست بذات الشعور الذي أحسسته حين رثاه؟ 

لأكون صادقاً؛ قبل فترة قصيرة مررت أمام محل والدي الذي رحل عن دنيانا قبل نحو عشرين عاماً، لأصاب بالدهشة من بقاء اسمه على محله دون أن يمسه التآكل أو الاختفاء، وكأنه ما يزال حياً بيننا لهذا اليوم ويستقبل زبائنه بابتسامته المعهودة!

ربط كلمات علي بقصة والدي -رحمه الله- الذي اختاره الموت بعز شبابه بعد تعرضه لحادثة سقوط لم يتحملها جسده، ربما، جاءت لتشابه طفولة أحمد بطفولة والدي، ذلك الذي ترك لنا سيرةً كبيرة تدل على حسن مآثره وطيب معشره بين الناس وصلاح أعماله، والأهم بقاء اسمه يزين الشارع الذي غادره بلا رجعة!

فللميت شاهد قبره، ولوالدي شاهدان؛ القبر والشارع! والأول للاستدلال والثاني لذكراه وأفعاله ورجولته وأقواله وضحكاته! ولا أصدق من شاهدٍ يبقى لنا بعد الرحيل، ويأبى أن يزاح من ذاكرة الناس.

فهو من "أولئك الذي عرفوه أيام شبابه جواداً برياَ لم يسرج بغير الريح، فمن يحمل عبء الذاكرة؟ ومن يكتب سيرة من لا سير لهم في بطون الكتب، أولئك الذين قسموا جسومهم في جسوم الناس، وخلفوا آثاراً عميقة تدل على غيرهم، ولكنها لا تدل عليهم".

شاءت الأقدار أن أكون كاتباً وصحفياً لأحكي قصة ذلك الرجل المكافح والكبير، الذي لم يذق طعم الراحة والعيش الرغيد في طفولته ولا حتى في شبابه، متناسياً نفسه، ومغامراً في حياته كلها، لراحة الآخرين!

هذا هو والدي، الذي لم يجد سوى المشقة والتعب والركض نحو لقمة عيش صعبة، لكن بقي أسمه شاهداً عليه، ومثله أحمد الذي لم يرجع للبلاد التي يحب، فمات لاجئاً، ولم يدفن في الأرض التي دافع عنها.. مات في المخيم، المخيم الشاهد الباقي على الحكاية!

وفي اللية الظلماء يفتقد البدر.. أفتقدك يا أروع الرجال