لن تُنسى كأنها لم تكن!

لم أميز يوماً بين رئيس أمريكي أفرزه الحزب الديمقراطي، أو رئيس آخر جاء من الحزب الجمهوري، صحيح أن برامجهم قد تختلف في السياق المحلي أو في تعاملهم مع العالم الغربي، لكن رؤيتهم تجاه العالم العربي وحماية مصالح الكيان المحتل واحدة لا تتغير، فكلهم يكنون لنا البغضاء ويدعمون طفلتهم المدللة "إسرائيل" ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، أصلاً هذا جزء من استقرارهم وجزء من برامجهم المعلنة وغير المعلنة التي يكتبها ويراقبها اللوبي الصهيوني والجماعات الضاغطة في أمريكا، ربما أن الفرق الوحيد بينهم أن بعضهم يدعم الاحتلال "على عينك يا تاجر"، وبعضهم يحاول أن يواري هذا الدعم ما أمكن!

حين وصل مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن إلى البيت الأبيض، كان ثمة استبشار بأنه سيغير من السياسة التي انتهجتها أمريكا بالشأن الفلسطيني في عهد سلفه دونالد ترامب الذي نجح عن الحزب الجمهوري، إنها السياسة التي مالت كل الميل لصالح الكيان المحتل على حساب الفلسطينيين وحقوقهم، وكان من أبرز نتائجها الاعتراف بالقدس عاصمة لهذا الكيان أواخر عام 2017، كما سعت القيادة الأمريكية جاهدة لتصفية القضية الفلسطينية بما عرف بـ "صفقة القرن"، لكن جو بايدن الذي بدأ زيارته للشرق الأوسط بتقديم الولاء والطاعة لتل أبيب أعلنها صراحة "لست بحاجة لأن تكون يهودياً حتى تكون صهيونياً"، فيما وصفه رئيس وزراء الاحتلال يائير لابيد بأنه "صهيوني عظيم، وأحد أفضل الأصدقاء الذين عرفتهم إسرائيل على الإطلاق".

بعد كل هذا الوضوح، ما زلنا نسلم رقابنا لأمريكا، وما زلنا نتنظر منها إنصاف الفلسطينيين واسترداد حقوقهم، ووقف سياسة الاحتلال العنصرية، بينما أهداف زيارة بايدن واضحة وصريحة جداً كما وصفها هو "سنواصل إعطاء دفع لعملية اندماج إسرائيل في المنطقة"، وهذا ما يتضح من خلال جولته التي ستشمل بعض الدول العربية، في محاولة لتوسيع رقعة التطبيع، وربما لإطلاق تحالف إقليمي دفاعي ضد إيران قد يكون الاحتلال جزءاً منه إلى جانب الدول العربية، وذلك تحت ذريعة التهديد الإيراني والتصدي لأنشطتها المزعزعة للاستقرار وتهديدها لأمن الاحتلال!

بين تهديد أمن الاحتلال، وهو أكبر من يهدد أمن العالم، وبين التصدي للخطر الإيراني رغم أن خطر الصهاينة أبشع بكثير ، وبين توسيع رقعة التطبيع مع الدول العربية والإسلامية، يخفت ضوء القضية الفلسطينية، ويقل الحديث عنها، كأنهم يريدونها أن تُنسى كأنها لم تكن، على رأي الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وهذا ما ينبغي ألا يحدث، فالرهان يظل دائماً على صوت المقاومة الفلسطينية، وعلى ما تبقى من نخوة وغيرة في صدر الشعوب العربية، والتاريخ الذي يكرر نفسه يؤكد أنه كلما تفشت الخيانات في الأمم وزاد ضعفها وتبعيتها كان ذلك مقدمة لشفائها!