ملتقى عمان الأول للكاريكاتير.. رسالة في أكثر من اتجاه!

يشبه فن الكاريكاتير أن تعبئ بحراً في قنينة ماء، فأنت تختزل حدثاً كبيراً أو قضية شائكة برسمة صامتة أو رسمة تحتوي على بعض الكلمات، فيها من السخرية ما يُضحك، وفيها ما يستحضر الحزن!

هذا الفن كان حاضراً منذ آلاف السنين، تحديداً في العصور الفرعونية، فقد عُثر على بعض الرسوم على أوراق البردي وجدران الكهوف، وانتشرت كثيراً في مقابر النبلاء القديمة، وكان السبب الذي دفع المصريين القدماء للرسم هو السبب ذاته الذي يحرك فناني الكاريكاتير اليوم: السخرية من السلطة وقراراتها، ومحاولة تصويب السياسات والتصرفات الخاطئة في المجتمع!

وحتى اليوم؛ ما زال الكاريكاتير طريقة إبداعية وبليغة للتعبير عن قضايا الساعة، ويحظى بقبول واسع لدى الناس، وفي حين كان يرسم على الجدران، صار اليوم يرسم في كل مكان، وتقام له المهرجانات والفعاليات من القاهرة وحتى عمان!

للمرة الأولى؛ أقامت رابطة رسامي الكاريكاتير الأردنيين ملتقى عمان الأول للكاريكاتير 2022، الذي افتتحته وزيرة الثقافة الأردنية هيفاء النجار، وذلك خلال الفترة من 27 حزيران/يونيو وحتى 30 حزيران/يونيو الفائت في قاعة جاليري عمان – أمانة عمان الكبرى، وحظي الملتقى بمشاركة واسعة لفناني الكاريكاتير العرب، حيث شارك فيه كل من: سمير عبد الغني من مصر؛ أيمن الغامدي من السعودية؛ منى التميمي ومحمد القحطاني من الكويت؛ بالإضافة إلى الفنانين الأردنيين أعضاء الرابطة التي يرأسها زميلنا في موقع (هنا صوتك) الفنان ناصر الجعفري.

 كانت الرسومات المشاركة في الملتقى حمالة وجهين: الأول يوثق جيل رواد هذا الفن في الوطن العربي ورسوماتهم التي تعود لأكثر من نصف قرن، فمن مصر حضرت لوحات عفت؛ ومحمد حاكم؛ وجورج بهجوري؛ وأحمد حجازي؛ ومصطفى حسين؛ وطوغان. أما رواد هذا الفن في الأردن جلال الرفاعي ورباح الصغير فقد تصدرت لوحاتهما جناح المشاركات الأردنية!

فيما كان الوجه الثاني للرسومات يستحضر الأمس القريب، من خلال اللوحات التي رُسمت حديثاً وتوثق مشاهد الشارع العربي من الماء إلى الماء، غير أن الهدف الأول للملتقى هو لفن النظر لهذا الفن الذي بدأ الاهتمام به يتراجع مع تراجع الصحافة الورقية، وتقليص مساحته في الصحف اليومية، ففي حين كان يتصدر الصفحات الأكثر أهمية في الصحف اليومية، وتتنافس تلك الصحف على استقطاب فناني الكاريكاتير، بات معظم الفنانين اليوم يرسمون بالمجان أو تتم الإطاحة بهم بحجة الميزانيات والأولويات، أضف إلى ذلك تدهور الحريات الصحفية في البلدان العربية، مما جعل لسان الكاريكاتير اللاذع وريشته التي تحفر في الصميم موضع امتعاض لا ترحيب، وعلى هذا الأساس صاروا يرسمون وينشرون بشكل شخصي على صفحاتهم بمواقع التواصل الاجتماعي!

وبعيداً عن هذا الواقع المؤلم لفن الكاريكاتير، يؤكد الزميل ناصر الجعفري أن الغاية الأسمى من هذا الملتقى هي امتاع الجمهور في الدرجة الأولى، فضلاً عن كونه فسحة لالتقاء فناني الكاريكاتير وتبادل الخبرات والمعارف فيما بينهم، وأن تكون العاصمة الأردنية عمان حاضنة لقيمهم والقضايا المتفق عليها إنسانياً واجتماعياً على الأقل، وسط حالة التردي السياسي التي تضرب الخارطة العربية بلا هوادة، فيما تأمل رابطة رسامي الكاريكاتير الأردنيين أن تتسع بطانة الملتقى مستقبلاً لتغطي مبدعي هذا الفن من مختلف ثقافات العالم.

ربما أكثر ما لفت الانتباه في الملتقى، تلك المشاركة النسائية، وإن كانت خجولة، من خلال لوحات الفنانة الكويتية منى التميمي والفنانة الأردنية ميس العمر العثامنة، لكنها مشاركة مهمة وتبعث على الأمل بزيادة حضور المرأة في هذا الفن الجميل، فالتميمي عبرت عن فخرها الشديد بأن عدد رسامات الكاريكاتير في الكويت يوازي عدد الرجال، فيما اقتحمت العثامنة هذا الفن لتوصل رسالة مفادها: "ليس حكراً على الرجال في الأردن!"