الاختلاف الذي يفسد الود والقضية!

الجواهري ليس شاعراً!

بثلاث كلمات فقط، وببرود مستفز، بينما كان يضع ساقاً على الأخرى، نسف شاعرية وإبداع محمد مهدي الجواهري، أحد أهم شعراء العصر الحديث إن لم يكن أهمهم على الإطلاق، وحين سألته عن السبب رد بالقول: "لأنه مدح أصحاب السلطة أكثر من مرة!"

تخيلوا!

لأن شاعر العرب الأكبر لم يأتِ على هواه في جزئية معينة، قام بشطب تاريخه كله!

قلت له: "أنا ضد أن يمدح المثقف سلطة قائمة، لكن ضد أن نلغي الآخر لأننا اختلفنا معه، ثم إذا لم يكن الجواهري شاعراً فمن الشاعر؟!"

لكنه لم يقتنع، ولن يقتنع، لأن ثقافتنا العربية عموماً لا تؤمن بالاختلاف، وإنما تؤمن أن على الآخر أن يتشابه معك حد التطابق، وإلا فإن عبارة "الاختلاف لا يفسد للود قضية" التي قالها الأديب المصري أحمد لطفي السيد ستتحول إلى "الاختلاف يفسد القضية والود والصحبة والقربى والدنيا بأسرها"، وستكتشف كم كان الساخر جلال عامر حقيقياً حين قال: "نحن ديمقراطيون جداً.. تبدأ مناقشاتنا بتبادل الآراء فى السياسة والاقتصاد، وتنتهي بتبادل الآراء في الأم والأب!"

واحدة من أكثر التعليقات التي تحزنني حين أكتب شيئاً على مواقع التواصل الاجتماعي، تلك التي يقول أصحابها إن موقفي لم يعجبهم، وعلى هذا الأساس سيلغون متابعتي، لا يحزنني إلغاء المتابعة طبعاً، فالكتابة مثل البورصة ترتفع أسهم صاحبها أحياناً، وتنخفض أحياناً، لكن يحزنني تفكير أولئك الذين يتفقون معك بمئات المواقف، ثم يسقطونك من حساباتهم لأنك لم تكن على هواهم في موقف واحد فقط!

لم تلدنا أمهاتنا لنكون على مقاس رغبة الآخرين في كل ما نقوله أو نفعله، ولم تلدهم أمهاتهم ليكونوا تابعين لنا في كل صغيرة وكبيرة، فلست نسخة مكررة منك، ولست استنساخاً عني، للناس مذاهبهم، ولك مذهبك، تلك حقيقة لو آمنا بها لصار للكلمة فضاء لا حدود له، ولأصبح الاختلاف حالة صحية وطبيعية من شأنها أن ترتقي بمجتمعاتنا، فالمجتمعات يثريها التنوع، ويزيدها القبول نضجاً، بينما تهدمها الديمقراطية التي تنتهي بتبادل الآراء في الأم والأب، ويوهنها الآراء المتطرفة على شاكلة "الجواهري ليس شاعراً!"