حادثة العقبة.. عندما يقتل الإهمال العمال

أقل ما يمكن قوله إنها حادثة أليمة وكارثة بشرية كبيرة، وتعيدنا اليوم إلى ما يفعله الإهمال وغياب شروط السلامة العامة في بيئة العمل، وتؤشر بما لا يدع مجالاً للشك بأن مقومات السلامة المهنية غير متوفرة في الغالب، وربما غير موجودة أصلاً في أماكن العمل، الخطرة منها تحديداً.

نتحدث هنا عن حادثة انفجار صهريج غاز الكلورين المسال في مدينة العقبة، بعد سقوطه على سطح إحدى السفن؛ لانقطاع الحبل الحديدي للرافعة التي تنقله من أرض الميناء إلى السفينة، والذي أدى إلى وفاة ثلاثة عشر شخصاً، بينما تجاوز عدد المصابين 250 شخصاً، منهم ما زال يتلقى العلاج في المستشفيات.

الحادثة وما تبعها من تداعيات كارثية، تكشف اليوم إهمال الصيانة الدورية للرافعات، بل وغياب الرقابة والتفتيش والفحص للآليات المستخدمة في العمل، والتي ثبت قطعاً أنه لولا اتجاه الرياح لكانت الحادثة تسببت بضرر أكبر وأكثر دماراً لسكان العقبة.

مسألة أخرى كشفتها الصور المتداولة حول الانفجار، تظهر عدم تقيد العمال بلبس الكمامات الكيميائية الخاصة بالعمل، وهو أمر يتكرر في العديد من المصانع الكيماوية، إذ يجب توفر أقنعة خاصة بالغازات، حسبما يؤكد خبراء ونقابيون مختصون بالشأن العمالي.

وكما يقال "الشيء بالشيء يذكر"، ترجعنا هذه القصة إلى حادثة انفجار الصوامع التي حدثت في العقبة عام 2018، والتي أيضاً راح ضحيتها 11 شخصاً، بعد أن أثبتت التحقيقات بأن البيئة داخل الصوامع خانقة ولا تتوفر فيها كمامات ولا أي معدات سلامة أخرى.

الحادثتان متشابهتان مضموناً ومختلفتان زمنياً، وتثبتان بكل وضوح غياب الرقابة الحكومية والجهات الرقابية من برلمان ومؤسسات الدولة بجميع أركانها عن هذا الملف الخطير الذي بات له انعكاسات كبيرة يدفع ثمنها غالياً العمال وعائلاتهم.

وهنا؛ تطالب نقابات ومؤسسات عمالية، الحكومة بتحمل مسؤوليتها بشكل كامل عن هذا الحادث الأليم، وإسراع لجنة التحقيق التي تم تشكيلها في تحديد الجهة المسؤولة عن الحادثة، وكذلك عدم تغييب دور النقابات العمالية والمهنية، والإصغاء لمطالب العمال وحمايتهم وشمولهم في الضمان الاجتماعي.

ماذا بعد اليوم؟ هو السؤال الأكثر إلحاحاً بعد أن كشفت الحادثة حقيقة غياب وتجاهل التدابير الوقائية في العمليات الكيميائية أثناء نقل المواد الخطيرة، وهو ما بينته تسجيلات الفيديو المسربة، في أن رافعة الخزان لم تكن مناسبة للحمل، أو عملية الربط للحمالات لم تكن مقدرة هندسياً، ولم تراعِ حساسية المادة المنقولة، ما أدى إلى سقوطها على ظهر السفينة وتسرب الغاز، حسبما قالت نقابة المهندسين الأردنيين في بيانها حول الحادثة.

في السياق، يؤكد عضو مجلس نقابة المهندسين رئيس الشعبة الكيميائية، المهندس محمد المحاميد على أن "الحادثة كشفت مدى أهمية مراعاة السلامة للعمليات الكيميائية والصناعية في مختلف مراحل التصنيع والتوريد"، لافتاً إلى أن الظروف الجوية في خليج العقبة جنبت سكان المدينة التعرض لغاز الكلور السام، بل دفعت بالتسريب نحو الجنوب، بحسب ما أفادته القراءات البيئية التي أفادت بانحسار أثر الغاز بسبب ثقل كتلته وبطء حركته أفقياً، ما سهل معالجته من قبل الدفاع المدني.

لا يتوقف الأمر هنا، فمنذ سنوات ولا تزال قضية العاملين في موانئ العقبة تراوح مكانها، لمعاناتهم من ضعف تطبيق شروط الصحة والسلامة المهنية في بيئة عملهم، بالرغم من أنها مصنفة من قبل المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي ضمن المهن الخطرة.

وينقسم العاملون في مؤسسة الموانئ إلى عمال مياومة، وعمال فرق، ويتم توزيعهم كعمال تفريغ وتحميل، وعمال روافع "آليات"، وعمال فرق "تحميل وتفريغ السيارات"، وعمال عنابر البواخر يعملون بالتنزيل داخل البواخر، ومعظمهم يفتقرون لأدوات السلامة الشخصية مثل القفازات، والجاكيت الواقي، والخوذة، ما يتنافى مع طبيعة عملهم الخطرة، وفقاً للمرصد العمالي الأردني.

وتنص الفقرة (أ) من المادة (2) من تعليمات السلامة والصحة المهنية الصادرة عن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، على أنه "تلتزم المنشأة بتوفير شروط ومعايير السلامة والصحة المهنية وأدواتها في مواقع العمل".

كذلك تنص الفقرة (أ) من المادة (3) من تعليمات حماية العاملين والمؤسسات من مخاطر بيئة العمل لسنة 1998، على أنه "يزود العامل بخوذة خاصة لوقاية الرأس من خطر سقوط الأشياء والاصطدام بها، وذلك في أعمال تشييد المباني أو الهياكل على اختلاف أنواعها، أعمال الحفريات، تشييد المطارات، الاحواض، الأرصفة، والموانئ... وما شابهها".

كما نصت المادة (6) من نفس التعليمات على أنه "يزود العامل الذي يعمل في أجواء ملوثة بالغازات أو الأغبرة أو الأبخرة بتركيز أعلى من الحدود المعتمدة، بكمامات قطنية أو فلترية تغطي الفم والأنف وأقنعة واقية للوجه بدون أكسجين أو أقنعة واقية للوجه مزودة بالأكسجين أو أجهزة تنفس مزودة بالأكسجين".

مطلوب بعد هذه الحادثة المروعة، الإسراع في فتح تحقيق فني وإداري وجنائي شفاف ومحاسبة المقصرين والمهملين، فضلاً عن رفع الوعي لدى العاملين في قطاع صناعة الكيماويات بمخاطر المواد الكيماوية، خصوصاً أن التعامل معها يتطلب دقة عالية.

ما حدث في الأردن، يتكرر بأماكن عديدة في منطقتنا العربية، وأخرها كان انفجار مرفأ بيروت عام 2020 والذي خلّف مئات الوفيات وآلاف الإصابات، لذا من الضروري توسيع دائرة الحوار من قبل أصحاب القرار مع القوى والأطر الوطنية المعنية بالدفاع عن الطبقة العاملة، مع أهمية توسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل جميع العاملين وأسرهم، وكذلك تكاتف الجهود بين الحكومة والمجتمع المدني والنقابات للاستجابة المثلى لمثل هذه الأزمات التي نأمل أن لا تتكرر.