أحمد خالد توفيق.. العراب الذي جعل الشباب يقرأون

هل ثمة حياة مرضية للمرء أكثر من أن تتحقق فيها أمنيته، فيبقى الأثر بعد الرحيل قوياً  كما كان في الحضور؟

هكذا كانت حياة الطبيب والكاتب المصري أحمد خالد توفيق، فقد كتب يوماً "أما أنا فأريد أن يُكتب على قبري "جعل الشباب يقرأون""، وكان له ما أراد، فلن تجد كاتباً يتداول الشباب نصوصه بكثرة مثل أحمد خالد توفيق، الذي التقى بالحياة لأول مرة في العاشر حزيران/ يونيو عام 1962، وودعها مفارقاً يوم 2 نيسان/ أبريل عام 2018، فكتُب على قبره أمنيته التي تحققت.

كاتب الاستثناءات

عدا عن كونه كاتب الشباب بلا منازع، فقد كان أحمد خالد توفيق أول كاتب عربي في مجال أدب الرعب، ولهذا لُقب بـ "العرّاب"، كما كان الأشهر في مجال الفانتازيا والخيال العلمي، وبرع في الأدب الساخر من خلال مقالاته التي كان ينشرها في الصحف المصرية.

بداياته مع أدب الرعب كانت عام 1992، حين تقدم إلى المؤسسة العربية الحديثة برواية "أسطورة مصاص الدماء"، وهي أول رواية في سلسلة ما وراء الطبيعة، وهي مجموعة روايات خيالية، إلا أنها قوبلت بعدم الرضا، حتى أن البعض نصحه بترك أدب الرعب نهائياً، لكن شخصاً واحداً داخل المؤسسة واسمه أحمد المقدم، دافع بشراسة عما كتبه توفيق، ورأى أن روايته تستحق الانتشار والنجاح، فقرر مدير المؤسسة تشكيل لجنة لدراسة "أسطورة مصاصي الدماء"، غير أن اللجنة اعتبرت العمل الأدبي ركيكاً وتنقصه الحبكة الروائية، مما أدخل العراب في دوامة من الإحباط الشديد، لكن مدير المؤسسة أخبره بأنه سيعرض الرواية على لجنة أخرى برئاسة الروائي نبيل فاروق، وجاء رأي اللجنة مبشراً بأن الرواية ممتازة ومشوقة، ولم ينس العراب فضل نبيل فاروق أبداً، ففي أغلب حواراته الصحفية كان يقول: "لن أنسى للدكتور نبيل فاروق أنه كان سببًا مباشرًا في دخولي المؤسسة، وإلا فإنني كنت سأتوقف عن الكتابة بعد عام على الأكثر".

وعلى هذا الأساس بدأ كاتب الشباب بتحويل رواية "أسطورة مصاصي الدماء" إلى سلسلة قصصية بعنوان "ما وراء الطبيعة" عام 1993، وكل قصة منها تتناول أسطورة شعبية مختلفة، كأسطورة النداهة؛ ووحش البحيرة؛ والموتى الأحياء؛ وآكلي لحوم البشر؛ ولعنة الفرعون، حتى أنهى السلسلة في عددها الأخير بعنوان "أسطورة الأساطير"، التي صُدرت عام 2014، بموت بطلها الرئيسي، وحققت السلسلة نجاحاً باهراً، وما تزال حديث القراء وضمن خياراتهم المفضلة حتى يومنا هذا.

الطبيب والفيلسوف وخبير التنمية البشرية

تخرج توفيق من كلية الطب بجامعة طنطا عام 1985، وحصل على الدكتوراة في طب المناطق الحارة عام 1997، والتحق بهيئة التدريس بالكلية ذاتها، جامعاً بين التأليف والتدريس آخر عمره.

ربما ساعده الطب على عدم إغفال الجانب النفسي والطبيعة البشرية في كتاباته التي يغلب عليها النُصح والإرشاد والتنمية البشرية، من أشهر أقواله: "الحل الوحيد للمشاكل النفسية هو.. لا تكن عاطلاً، لا تكن وحيداً"، قال أيضاً: "أن تتوقع أن يعاملك العالم برفق لأنك إنسان طيب أشبه بأن تتوقع ألا يلتهمك الأسد لأنك نباتى لا تأكل اللحوم".

 وها هو يختزل تغير الإنسان وتأثره بالفجائع والخيبات بقوله: "فى حياة كل إنسان لحظة لا تعود الحياة بعدها كما كانت قبلها"، أما نصحيته الأعظم قد وردت في سلسلة رواياته الأدبية الشهيرة "سافاري" حين قال على لسان بطلها علاء عبد العظيم: "دعني أخبرك بشيء مهم.. لا تقض حياتك بانتظار أن تنتهي الفترة كذا والفترة كذا.. أن تنتهي فترة الدراسة.. أن تنتهي فترة التجنيد.. أن تنتهي فترة الانتداب.. إلخ. لسوف تجد أن حياتك صارت مجموعة من الفترات يجب أن تنتهي.. وهوب! تكتشف أنك بلغت نهاية العمر دون أن تنعم بحياتك يومًا واحدًا. يجب أن تستمتع بكل فترة كأنها هي الصورة الوحيدة النهائية لحياتك".

أفضل من وصف خديعة اسمها العمر!

كان أحمد خالد توفيق مناصراً للمرأة وقضاياها في العديد من مؤلفاته ومقالاته، يتضح ذلك من خلال سلسلة "فانتازيا" التي بدأها عام 1995، وهي السلسلة التي تتمتع ببطلة نسائية، فيما كانت روايته "يوتوبيا" الأكثر شهرة بين أعماله، إذ صنفت ضمن الكتب الاكثر مبيعاً وترجمت إلى عدة لغات، وتدور أحداثها في سنة 2023، رغم أنها صدرت عام 2008، حيث يتخيل العراب أن مصر تحولت إلى طبقتين، الأولى بالغة الثراء والرفاهية وهي يوتوبيا المدينة المحاطة بسور ويحرسها جنود المارينز التي تقع في الساحل الشمالي، والثانية تعيش في الفقر وتنعم في العشوائيات، فيما كان بطلها شاب غني من يوتوبيا يريد أن يتسلى ويقوم بمغامرة لكسر ملل الحياة ورتابتها وهي صيد إنسان فقير من سكان شبرا، واللعب به مع أصحابه للحصول على متعة ثم قتله والاحتفاظ بجزء من جسده على سبيل الفخر، وهي من الهوايات الجديدة للأغنياء الذين يعيشون في الساحل الشمالي تحديدًا في يوتوبيا التي تشكل عالم الأغنياء، وهذا النوع من الروايات ينتمي لصنف "ديستوبيا" أو أدب الفوضى وهو عالم ينتصر فيه الشر ويسود فيه الظلم والقهر، ومن أشهر من كتب فيه الروائي البريطاني جورج أورويل في رائعته "1984".

كما حصد الراحل العديد من الجوائز، وكان أبرزها جائزة أفضل كاتب عربي في مجال الرواية في معرض الشارقة للكتاب عام 2016.

هذا هو العراب، الذي استطاع بفلسفته العميقة والبسيطة أن يوجد له مكاناً في قلوب الشباب والكبار معاً، والذي كان أفضل من وصف خديعة العمر حين قال: "فجأة وجدت أنني في الأربعين.. الخامسة والأربعين.. ثم سن الخمسين!.. هذه أرقام لم أسمع عنها من قط ولم أتخيل أنها ممكنة.. بدأت أشعر بالذعر عندما لاحظت ان الباعة يقولون لي يا حاج.. والمراهقون يقولون لي يا عمو. ثم ازداد الأمر سوءًا عندما صار الأولاد المهذبون يقفون لي في وسائل الموصلات كي أجلس مكانهم".