عبد الله البردوني .. المبصر الوحيد في أرض العميان!

في أرض اليمن السعيد، شق طفلٌ في الخامسة من عمره طريقه في الظلام، بعد أن سلبه مرض الجدري بصره كلياً، لكنه لم ينجح في المقابل أن يسلبه بصيرته التي أنارت عقول كل من أتاح لهم حسن الحظ مصادفة إبداعاته.

هذه طفولة الشاعر اليمني الراحل، عبد الله البردوني، الذي تناسى نفسه وهمومه وحمل هموم الناس، ملتحفاً بمشاعر السخط والحزن والغضب والتمرد وروح التغيير والتجديد، ومعتمداً على لغة ساحرة جمعت بين السخرية والثورة على الظلم والاستبداد.

عاش البردوني حياته مناضلاً ضد الرجعية وكافة أشكال القهر، ببصيرة الثوري الذي يريد وطنه كما ينبغي أن يكون، فأحب وطنه بطريقته الخاصة، ولسان حاله يقول: "كيف لأحد أن يفهم حباً من نوع خاص، حب من لم ير لمن لا يرى".

وفي قرية "بردون" شرق محافظة ذمار باليمن، ولد عبد الله عام 1929، ويعد من أبرز الشعراء والأدباء في العالم العربي منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى وفاته في عام 1999، وكان أيضاً ناقداً أدبياً ومؤرخاً، إذ تناول في مؤلفاته تاريخ الشعر القديم والحديث في اليمن، ومواضيع سياسية متعلقة ببلده، أبرزها الصراع بين النظام الجمهوري والملكي الذي أطيح به في ثورة 26 أيلول/سبتمبر 1962.

التحق البردوني، بالكتّاب في قريته، وحفظ ثلث القرآن الكريم، ثم انتقل إلى مدينة ذمار ودرس في مدارسها عشر سنوات حيث أكمل حفظ القرآن، وظهرت ملامح نبوغه وموهبته الشعرية مبكراً، حيث كان يقرأ كل دواوين الشعراء القدامى.

قبل إتمامه العقد الثاني من عمره، انتقل إلى العاصمة صنعاء ليكمل دراسته في جامعها الكبير، ليلتحق بعدها بمدرسة دار العلوم في عام 1953، حتى نال جائزة التفوق اللغوي، ليُعين بعدها مدرساً للأدب العربي في المدرسة ذاتها.

تنقل البردوني في عدد من الوظائف الحكومية والمناصب، فترأس لجنة النصوص في إذاعة صنعاء، وأدار البرامج في نفس الإذاعة عام 1980، كما أعد برنامجاً أسبوعياً بعنوان "مجلة الفكر والأدب" واستمر في إعداده منذ 1964، حتى وفاته.

كما عمل في الفترة بين 1969 و1975، مشرفاً بالقسم الثقافي في مجلة الجيش، ونشر مقالات بعنوان (قضايا الفكر والأدب) في صحيفة 26 سبتمبر، وفي صحيفة الثورة تحت عنوان (شؤون ثقافية)، إضافة إلى أنه أول من وضع حجر أساس اتحاد الأدباء (ترأسه في عام 1970) والكتاب اليمنيين.

وطوال مسيرته الأدبية، أصدر البردوني 8 دراسات نقدية و12 ديوان شعري، أهمها: من أرض بلقيس؛ في طريق الفجر؛ مدينة الغد؛ لعيني أم بلقيس؛ السفر إلى الأيام الخضر؛ وجوه دخانية في مرايا الليل؛ زمان بلا نوعية؛ ترجمة رملية لأعراس الغبار؛ كائنات الشوق الآخر؛ رواغ المصابيح؛ جواب العصور؛ رجعة الحكيم بن زائد؛ أبو تمام وعروبة اليوم، وهذه القصيدة ألقاها في الذكرى الألفية للشاعر العربي "أبو تمام"، والتي يقول فيها:

ما أصدق السيف إن لم ينضه الكذبُ   وأكذب السيف إن لم يصدق الغضبُ

بيض الصفائح أهدى حين تحملها       أيد إذا غلبت يعلو بها الغلبُ

وأقبح النصر نصر الأقوياء بلا        فهم سوى فهم كم باعوا وكم كسبوا

أدهى من الجهل علم يطمئن إلى       أنصافِ ناسٍ طغوا بالعلم واغتصبوا

قالوا: هم البشر الأرقى وما أكلوا      شيئاً كما أكلوا الإنسانَ أو شرِبوا

ماذا جرى يا أبا تمام؟ تسألني!       عفواً سأروي ولا تسأل وما السببُ؟

 

أما الدراسات النقدية، فهي: رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه؛ قضايا يمنية؛ فنون الأدب الشعبي في اليمن؛ الثقافة الشعبية تجارب وأقاويل يمنية؛ من أول قصيدة إلى آخر طلقة: دراسة في شعر الزبيري وحياته؛ أشتات؛ اليمن الجمهوري.

بينما حصل على عدد من الجوائز، منها: وسام الأدب والفنون في صنعاء عام 1984؛ وجائزة مهرجان أبي تمام بالموصل في العراق عام1971؛ وجائزة مهرجان جرش الرابع بالأردن عام 1981؛ وجائزة شوقي وحافظ في القاهرة 1981. وأصدرت الأمم المتحدة عملة فضية عليها صورة البردوني كأديب تجاوز العجز 1982.

كتب عن البردوني العديد من النقاد، ومنهم الدكتور د. عبد الحميد الحسامي، الذي قال عنه: "للبردوني عدداً من السمات الأسلوبية التي ميزته عن غيره، ومنها: اللغة الشعرية التي تمكّن من انتزاعها من البيئة المحلية اليمنية وإدراجها في سياق النص الشعري الفصيح؛ وتخصيب نصه بالرموز الإنسانية التي تمنح النص ثراء دلالياً وتوسع أفقه الثقافي".

تلك هي سيرة البردوني، الشاعر الثوري العظيم الذي أبى الخنوع والخضوع أمام الدكتاتورية؛ لكن لم ينل حقه ولم تقدر انجازاته العلمية والأدبية حق قدرها في الأوساط العلمية والأدبية، فحقٌ علينا جميعاً تذكر هذا العروبي، لعلنا نفيه حقه الذي هضم!