وفاة المعلمة ربى تفتح ملف التعليم الخاص في الأردن من جديد.. إلى متى ستبقى المشاكل حاضرة والتدخلات غائبة؟!

من جديد؛ فتحت وفاة المعلمة الأردنية ربى (34 عاماً) الباب على الانتهاكات التي يتعرض لها العاملون في قطاع التعليم الخاص، وعادت قضايا المساءلة في التعليم وتفعيل النقابات العمالية وعلى رأسها نقابة المعلمين الضامنة لحقوق منتسبيها إلى الواجهة، فضلاً عن ضرورة تطوير منظومة التعليم العام، والقضاء على التعليم الطبقي وصولاً إلى تعليم نوعي شامل.

القصة قديمة، لكن ربى أعادت روايتها!

وفقاً لرواية الزوج؛ فقد ماتت ربى وجنينها في شهره الثامن، داخل المدرسة التي تعمل بها وتتقاضى منها راتباً مقداره 140 ديناراً، وهو أقل من الحد الأدنى للأجور في الأردن (260 دينار)، حيث شعرت بدوار وإرهاق ثم فارقت الحياة، بينما لم تسعفها المدرسة وطلبت من زوجها الحضور لإسعافها،  من جهتها؛ قالت المنسقة العامة لحملة "قم مع المعلم" ناريمان الشواهين: "إن مدير المدرسة قام بإشراك المرحومة بالضمان بعد وفاتها"، وهو ما نفاه المدير، مؤكداً أن ربى كانت تتقاضى 260 ديناراً، وتم اخضاعها للضمان الاجتماعي بمجرد توقيع العقد معها.

أياً كانت القصة، فهي -كما قلنا- فتحت الباب على ما يجري في قطاع التعليم الخاص من ظلم بحق العاملين فيه، فالقصة قديمة لكن ربى أعادت روايتها، فنحن نتحدث عن عشرات الآلآف ممن تضيع حقوقهم، جهلاً منهم بالقوانين من جهة، و جشعاً من الطرف الآخر من جهة أخرى، فضلاً عن عدم إنفاذ القانون بحق المخالفين له، وفي مسألة القوانين بالذات؛ خلصت دراسة أجرتها منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (أرض) بعنوان "تعزيز ثقافة المسؤولية والمساءلة من أجل تحسين البيئة التعليمية في الأردن" إلى أننا بحاجة ماسة لنشر أفضل للمعلومات المتعلقة بالقوانين بين كادر المعلمين وأصحاب المصلحة وأولياء الأمور .

مشاكل حاضرة، وتدخلات غائبة

في ردها على قضية المعلمة ربى؛ قالت وزارة العمل الأردنية إنها لم تتقدم بشكوى حول الراتب الذي تتقاضاه كونه أقل من الحد الأدنى للأجور، هذا الرد دفع كثيرين للتساؤل حول حقوق من قدموا الشكاوى، وهل تم التحرك بشأنهم أم لا؟ فوفقاً لنقابة العاملين في التعليم الخاص وصلت عدد الشكاوى المقدمة لها من المعلمين 65 ألف شكوى، أكثرها يتعلق بالحد الأدنى للأجور، ناهيك عن عدم توقيع العقود إلا مع بداية العام الدراسي، وعدم الشمول بمظلة الضمان الاجتماعي، وفي حين توجه النقابة الموظف المشتكي إلى وزارتي العمل والتربية والتعليم، لا تتخذ الوزارتين أي اجراء بحق المدرسة المخالفة.

ليس هذا رأي نقابة العاملين في التعليم الخاص وحدها، فحملة "قم مع المعلم" كان لها رأي مماثل، إذ اعتبرت أن المعلمة ربى تمثل 60% من المعلمات اللواتي يتعرضن إلى انتهاكات من قبل أصحاب المدارس الخاصة، وكانت الشكاوى مطابقة لتلك التي أعلنت عنها النقابة، يضاف إليها عدم تنسيب المعلمات في التعليم الخاص ضمن ملفات و تعيينات وزارة التربية والتعليم، كما كشفت الاستبيانات الخاصة بالحملة، وجود 100 مدرسة لا تقوم بتحويل رواتب المعلمين لديها إلى البنوك، وتقوم بتسليمه باليد، كما أن  أصحاب العمل يفصلون المعلمات خلال شهور العطلة الصيفية، ويعودون لتوقيع عقود جديدة معهن بعد انتهائها.

يحدث ذلك وسط غياب رقابة وتشديد الجهات المعنية على المخالفين من أصحاب المدارس الخاصة، ورغم مرور 4 سنوات على إقرار قانون يلزم المدارس الخاصة  بتحويل رواتب العاملين لديها إلى حساباتهم البنكية أو محافظهم الإلكترونية، بعد أن أطلقت "قم مع المعلم" حملة بعنوان "رواتبنا في البنك مش تحت الطاولة"، أدت إلى إقرار وزارة التربية نظام معدل لنظام تأسيس وترخيص المدارس، صار بموجبه تحويل الرواتب الزامياً بالمطلق، إلا أن العديد من المدارس الخاصة في الأردن، تمتنع عن تطبيق القانون، ومستمرة بتسليم الرواتب من "تحت الطاولة" للمعلمات.

حلول مقترحة

عودة إلى الورقة التي أصدرتها منظمة النهضة العربية (أرض)، فقد تضمنت توصيات مقترحة، كان من أبرزها، تعزيز دور المجتمع المدني لتحسين الحصول على المرافق التعليمية الجيدة وتحسين البيئة التعليمية، لا سيما وأن المجتمع المدني غالباً ما يكون أكثر مرونة من الدولة، ويعمل على مستوى القاعدة الشعبية؛ وتعزيز مفاهيم المواطنة في جميع مراحل العملية التعليمية، للتأكيد على أهمية دور المواطنين في دفع عجلة التغيير الإيجابي، واستدامة عملية التنمية وتعزيز الملكية والمساءلة؛ وإخضاع الإطار القانوني للتعليم لتحليل متعمق؛ وتنظيم اللامركزية؛ وتفعيل دور المؤسسات في العملية التعليمية؛ ووجود مسارات واضحة لحصول المعلمين على مكافآت وتدابير عقابية، كل هذا سيؤدي بالضرورة لاتباع النهج الشامل لإصلاح قطاع التعليم في الأردن، ووقف الكوارث في التعليم الخاص الذي صارت نسبة لا بأس بها من مدارسه مشاريع ربحية لا أكثر.


التوعية القانونية للعاملين في التعليم الخاص بحقوقهم وتحفيزهم على المطالبة بها مهمة جداً، لكنها ليست كل شيء، فبموازاة ذلك، ينبغي تفعيل عدة إجراءات، لإجبار أصحاب العمل على الخضوع لحكم القانون، وعدم ترك المعلمين في حالة دائمة من عدم الأمان، كما ينبغي تحسين إجراءات الشكاوى في وزارتي العمل والتربية والتعليم ومتابعتها، وإنزال العقوبات بحق المدارس المخالفة حتى يرتدع غيرها، فنحن نريد أن تطوى القصة تماماً، لا أن تظهر بين الحين والآخر ضحية جديدة تعيد رواية أحداثها المؤلمة. .