هذاك المرض!

بشيء من الحسرة المضحكة، أظل أتذكر قصة صديقي الذي عانى لسنوات مع والده الذي خطفه السرطان، وكيف كان -رغم وعيه ونضجه- يصدق أي خبر يسمعه عن علاج لهذا المرض، ويتّبع كل دجال ومحتال يزعم أنه قادر على علاج المرض الأكثر خبثاً في التاريخ!

ذات مرة؛ استدل على خبير أعشاب يزعم أن لديه خلطة لا تعالج السرطان فقط؛ بل أنها بمثابة المطعوم الذي يقي منه مستقبلاً، كان ثمن الخلطة 2000 دينار أردني، وحين استشارني بالأمر قلت له: هذا كذابٌ أشر، ولا حاجة لك به!

فقال: دعنا نجرب.

ولأنني كنت على يقين بأنه لن يقتنع، قلت له: لا بأس؛ ولكن اطلب منه ورقة تحفظ لك استعادة المال في حال لم يكن علاجه السحري فعالاً!

شعر خبير الأعشاب أنه في ورطة حين طلب منه صديقي ورقة ضامنة لنجاح الخلطة أو استعادة المال، فسأله: "هو أبوك وين صايبه السرطان؟"

رد صديقي: في الدماغ.

فقال الخبير: "والله للأسف الخلطة ما بتعالج غير الأورام الباطنية!"

خطرت على بالي تلك المعاناة وغيرها، حين قرأت ما كتبه الدكتور عاصم منصور الرئيس التنفيذي والمدير العام لمركز الحسين للسرطان –وهو أكبر مركز مختص في علاج السرطان الشمولي على مستوى الشرق الأوسط– حول انشغال العالم بدراسة أجراها باحثون على عقار "دوستارليماب"، الذي كان يستخدم في علاج سرطان بطانة الرحم عند النساء، وكانت الدراسة بمثابة بارقة أمل لعلاج هذ المرض الذي أزهق أرواح 10 ملايين امرأة تقريباً في عام 2020، أو ما يعادل وفاة واحدة تقريباً من كل 6 وفيات، وكشفت الدراسة أن هذا العقار ساعد في شفاء 18 مصاباً بسرطان القولون والمستقيم، شاركوا في تجربة إكلينيكية وفقاً لـ "سكاي نيوز".

الدكتور عاصم منصور، كان كعادته واقعياً وعلمياً في طرحه، حين قال: التجربة مبشرة؛ لكنها محدودة من حيث عدد الخاضعين لها وتحتاج أن تجرى على عدد أكبر من المرضى، كما أنه ما زال الوقت مبكراً للحكم على مدى ديمومة فعالية الدواء، كما أود أن أنوه أن الطفرة التي يعمل عليها هذا الدواء موجودة عند عدد قليل من مرضى سرطان المستقيم. لكنه اعتبر أننا لم نصل بعد إلى حجم الإثارة التي حظي بها الخبر وطريقة تغطيته، سواءً بحسن نية لبث التفاؤل في نفوس المرضى أو لجمع المعجبين"، وختم ما كتبه عن الموضوع بالقول: "دعونا نتفاءل بالقادم من الأيام والتي أتمنى وأتوقع أن تحمل لنا المزيد من الأخبار الجيدة والتي قد تبدد بعض قتامة الواقع الذي نعيشه على مختلف الأصعدة".

أتفهم تماماً حجم انتشار الخبر بين المرضى وأهاليهم، أتفهم تماماً تمسكهم فيه باعتباره القشة التي ستنقذهم من الغرق، وأتفهم لماذا أنهى الدكتور عاصم منصور ما كتبه بالدعوة إلى التفاؤل، ذلك أنه يعرف أكثر من غيره كيف تنقلب حياة مصابي السرطان وأهاليهم رأساً على عقب، وكيف يصبح الواحد منهم على استعداد لاتباع السراب إذا شعر أن فيه بارقة أمل للعلاج، وكيف يلقي هذا المرض بظلاله النفسية الثقيلة على الناس، فأورامه لا تستقر في جسد المريض فقط، وإنما يتورم البيت بأكمله، ويصير الحزن عنوانه، والترقب بابه الذي لا يغلق إلا بالخسارة غالباً!

دعونا نتفاءل كما قال الدكتور عاصم منصور، وإلى أن يصبح السرطان من الماضي، هذه تحية عظيمة لكل من يقارعونه بشجاعة لا مثيل لها، أولئك الذين يعيشون الحياة رغم أنف السرطان بينما يهرب غيرهم من مجرد ذكره فيسمونه "هذاك المرض!".