في حب قساة القلوب!

ثمة حقيقة ربما لن تصدقها، لكن التجارب وحدها ستثبت لك مدى صحتها، وهي أن الناس غالباً وليس دائماً تميل إلى قساة القلوب أضعاف ميلها إلى الطيبين، وربما حين تلاحظ انبهارنا بالطغاة وتعليق صورهم في كل مكان ستصدق أن ما أقوله لك حقيقياً نوعاً ما!

دعك من الكلام المعسول الذي تسمعه أو تقرأه عن جمال طيبي القلوب، وأنهم أنبل ما في الكون وأكثر من يستحق الحب، فهذا المديح سببه أن طيب القلب يغفر دائماً، ويتجاوز باستمرار، وهو سهل الإرضاء، وسهل الاسترجاع متى أرادوا، ربما نسحقه بعشرات المواقف المؤذية، إلا أننا نرضيه بكلمة واحدة فقط، لكن كل هذه الطيبة لا تؤثر بالناس كما يؤثر بهم التجاهل، أو الكلمة القاسية، أو عدم الاهتمام ، وفي عدم الاهتمام بالذات قرأت عن دراسة لعالم النفس الأمريكي بول إيستفيك، من جامعة نورث ويسترن، جاء فيها أنه بعد الموعد الغرامي الأول يكون الشخص جذاباً إذا لم يفصح عن قراره: هل يريد لقاء ثانياً أم لا؟ وبنفس الوقت يبقي الأمل لدى الشخص الآخر بأنه قد يلتقيه مجدداً. مما يجعله جذاباً بالنسبة للطرف الأخر الذي يبقى في حالة ترقب وانتظار لأي إشارة جديدة، فالانتظار والأمور المبهمة تؤثر بنا أكثر من الوضوح وحسم الأمور، لأن الواضح والحازم في مشاعره رهن إشارتنا، لكننا ننشغل بذلك الذي لا يهتم، ولا يلتفت، نحن نتأثر بمن يتأخر عنا، أو لا يحضر أصلاً!

كثيراً ما أسأل نفسي: لماذا تميل النفس البشرية إلى من يعذبها؟ لماذا لا تنشغل بمن يحبها بدلاً من إصرارها على تجرع الحسرات في حضرة من لا يحبها؟ لماذا تؤثر بنا الكلمة القاسية عميقاً وقد نحتاج إلى فترة للشفاء منها، بينما لا نلقي بالاً لآلاف الكلمات الجميلة التي تقال لنا يومياً؟! ألأن كل ممنوع مرغوب؟  أم لأننا مجبولون على ترك النعم التي بين يدينا والطمع بما لا ليس في حوزتنا ؟!

أظن أن أغلب الذين جبلت قلوبهم على الطيبة يدركون حقيقة أن الناس (وأعود وأقول غالباً وليس دائما) يستغلون طيبتهم لكنهم لا يتأثرون بهم وربما لا يضعونهم ضمن أولوياتهم، لكنهم رغم ذلك لا يتغيرون ولا يجنحون نحو القسوة أبداً، لأن الأمر ليس بيدهم أولاً، فتلك طبيعتهم، ولأن أمثال هؤلاء أنبل من خوض الطرق الملتوية وترك الجروح والندبات في قلوب الغير في سبيل تحقيق غاياتهم!