الاقتصاد الأخضر في العالم العربي.. ضرورة وليس ترفاً

كان لخطورة التغير المناخي الذي يهدد الحياة على الأرض، واستنفادها لمواردها الطبيعية الأثر الأكبر في ظهور مفهوم ريادة الأعمال الخضراء ، فقد بات لدينا حاجة ماسة لتغيير أنماط الاستهلاك وطريقة الحياة التي قلبت موازينها الثورات الصناعية المتتالية، مما جعل الأعمال والمشاريع في العقد الأخير تتجه نحو ريادة الأعمال الخضراء أو الاقتصاد الأخضر الذي  يهدف إلى الحدّ من المخاطر البيئية وإلى تحقيق التنمية المستدامة وتوقيف التدهور البيئي.

وقد ركزت الأبحاث الحديثة حول الأعمال البيئية على الطرق التي تؤدي لاستدامة نشاط الشركات الكبيرة، وصارت الأبحاث والنشاطات حول ريادة الأعمال الخضراء أكثر رسوخاً في السنوات الأخيرة، كما أنها صبحت جزءاً من الخطط الحكومية على مستوى العالم.

المنظمات الدولية والمنظمات المجتمع المدني.. دور مشهود

بدأت المناداة باعتماد نمط تنموي جديد يرتبط وجوده بالطبيعة ويأخذ بالحسبان الجانب البيئي والاجتماعي في مؤتمر قمة الأرض الذي عقدته منظمات دولية في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية عام 1992، ثم تلته مجموعة من القمم والمؤتمرات التي دعت إلى عدم إغفال الدول للجانب البيئي عند هيكلة اقتصادها  والتركيز على الاقتصاد الأخضر الذي عرّفه برنامج الأمم المتحدة  بأنه "اقتصاد يؤدي إلى تحسين حالة الرفاه البشري والإنصاف الاجتماعي مع العناية في نفس الوقت بالحد على نحو ملحوظ من المخاطر البيئة". أما على المستوى الميداني فيمكن تعريفه بأنه إقتصاد يوجه فيه النمو في الدخل والعمالة بواسطة استثمارات في القطاعين العام والخاص من شأنها ان تؤدي الى تعزيز كفاءة استخدام الموارد وتخفيض انبعاثات الكربون والنفايات والتلوث ومنع خسارة التنوع الأحيائي وتدهور النظام البيئي، وهذا الاستثمار يدفع بتنامي الطلب على السلع والخدمات الخضراء والابتكارات التكنولوجية بواسطة تصحيح السياسات العامة الضريبية فيما يضمن أن تعكس الأسعار التكلفة على البيئة، لذلك فإن اتباع دولة ما لسياسة الاقتصاد الأخضر، سينعكس بصورة إيجابة على اقتصادها بشكل عام وليس على السلع فقط، كما أن هذا الاقتصاد من شأنه أن يوفر مساعدات ومنح للدول الفقيرة من أجل النهوض بالتعليم والصحة والبنية الأساسية وبذلك يتحقق هدف العدالة والمساواة في التنمية.

 

ومنذ مؤتمر قمة الأرض تعد المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني لاعباً أساسياً في ميدان الاقتصاد الأخضر، سواء من حيث المناداة بضرورة التوجه نحوه، أو تبني ودعم المشاريع المتعلقة فيه، أو تقديم المشورة القانونية والفنية من اجل بناء القدرات المحلية ونقل التكنولوجيا التي تدعم المشاريع الخضراء في الوطن العربي.

 

قصص لافتة في عالم الاقتصاد الأخضر عربياً

عند الحديث عن الاقتصاد الأخضر في العالم العربي تقف السعودية في مقدمة الدول  التي تتبنى قضايا حماية البيئة والتصدي للمناخ، فرغم أنها أكبر منتج للننفط الخام بين الدول الأعضاء في أوبك، إلا أنها اعتمدت غمار خفض الانبعاثات الكربونية وأخذت بالمبادرة ذات الترابط الوثيق في العمل البيئي بين المحلي والإقليمي والعالمي. كما أن تبنيها لسياسة التصدي لتغيير المناخ وابتكارها الحلول في المجال البيئي جعلها متفوقة في المؤشرات العالمية للأداء البيئي وفي صدارة دول العالم 2021 .

أما الأردن فكان أول دولة عربية تجري دراسة وطنية استكشافية لتقييم الوضع الإقتصادي والبيئي وفرص نجاح الإقتصاد الأخضر. وفي هذا السياق تم إعداد مشروع التنافسية الأردني والذي تنفذه الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بدراسة مفصلة للقطاعات الخضراء التي يمكن خلق وظائف جديدة فيها ضمن سياق التكنولوجيا النظيفة وخاصة الطاقة المتجددة، وإدارة المياه، وإدارة النفايات، والمباني الخضراء، والنقل الصديق للبيئة، والسياحة البيئية. وبحسب هذه الدراسة فإن إنشاء مشاريع للطاقة الشمسية بقدرة 600 ميغاواط، وخاصة في محافظة معان، بإمكانه خلق 1400 وظيفة بينما يمكن خلق 1100 وظيفة جديدة في حال تم تجميع ما

و تبنّت دولة الإمارات عام 2012 «استراتيجية الإمارات للتنمية الخضراء» من أجل بناء إقتصاد أخضر يعزز الرؤية الوطنية «الإمارات 2021» التي تطمح أن تجعل الإمارات من أفضل دول العالم في عام 2021. ومن منظور «استراتيجية الإمارات للتنمية الخضراء» فإن الإقتصاد الأخضر يعزز التنافسية الإقتصادية، ويخلق فرص عمل، ويجذب الإستثمارات، ويدعم الإبتكار والمعرفة، ويعزز الأمن الوطني في مجال الطاقة والمياه. فيما أعلنت تونس عام 2015، إعلان استراتيجية وطنية تعنى بالإقتصاد الأخضر وتسعى إلى تطوير الأنشطة الإقتصادية المتعلقة بالتنمية المستدامة، كالطاقة المتجددة والنقل المستدام، والسياحة البيولوجية، والفلاحة البيولوجية. أما في مصر فقد قررت الحكومة 1 أن تكون خطة الدولة متوافقة مع المعايير البيئية بما نسبته 50%، وذلك لدمج البعد البيئي في مشروعات الوزارات الأخرى، حتى تصل 50% من مشروعات الوزارات المختلفة لمشروعات خضراء خلال الفترة المقبلة.

يتنامى الاهتمام بالاقتصاد الأخضر يوماً بعد يوم، ولا سبيل أمام دول العالم العربي بالتوجه نحوه لتلحق الركب، فهو ضرورة وليس ترفاً باعتباره وسيلة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، والنمو الاقتصادي وتعزيز الإدماج الاجتماعي، والحد من البطالة عبر توفير فرص عمل ، ويتأتي ذلك من خلال دراسة الفرص والتحديات والتكاليف والمنافع التي تنطوي عليها سياسات الإقتصاد الأخضر مع الأخذ بعين الإعتبار اختلاف هذه العوامل تبعاً لظروف كل بلد وأولوياته الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة المنشودة .