مظفر النواب.. وجد من يحمله، فمن يحمل عالمه العربي المتعب مثله؟!

لم يحد الشاعر العراقي مظفر النواب الذي رحل عنا يوم 20 أيار/مايو من العام الحالي عن درب من سبقوه من شعراء العراق الكبار سواء في حياته أو في موته، ففي حياته كان مثلهم ينثر الإبداع أينما حل، والتمرد أينما ارتحل، والعروبة في كل محل، وفي موته لم يختلف قدره عن قدرهم ورحل بعيداً عن بلاد الرافدين ، فكما مات بدر شاكر السياب في الكويت، ومحمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي في دمشق، و نازك الملائكة في القاهرة، وعبد الرزاق عبد الواحد في باريس، كان مظفر النواب يلفظ أنفاسه الأخيرة في مدينة الشارقة الإماراتية.

"شاعر القصيدة المهربة"

رغم أنه من عائلة هندية الأصل، إلا أن مظفر عبد النواب المولود في في العاصمة العراقية بغداد عام 1934 كان عراقياً بالفطرة، وعربياً بالدم والفكرة، وقصائده التي كان الكثير منها ممنوعاً من التداول تشهد له بذلك، ولهذا السبب لُقب بـ "شاعر القصيدة المهربة"، وهذا التمرد له ما يبرره، فهو سليل عائلة كانت تحكم إحدى الولايات الهندية الشمالية قبل احتلال بريطانيا للهند، وبعد الاحتلال وقفت العائلة معارضة ومعادية له، فاستاء الحاكم الإنجليزي من موقفها وعرض عليها النفي السياسي، فوافقت واختارت العراق.

يعود الفضل في اكتشاف شاعرية مظفر النواب لأحد أساتذته في الصف الثالث الابتدائي الذي اكتشف موهبته الشعرية، فبدأ بنشر قصائده في المرحلة الإعدادية في المجلات الحائطية المدرسية، ثم تابع دراسته الجامعية وتخرج في كلية الآداب في جامعة بغداد.

كانت قصائده مليئة بالحزن، عامرة بالكرامة، متخمة بالأسف على العرب الذين أضلوا الطريق وأضلهم ..

 

مرة أخرى على شباكنا تبكي

ولا شئ سوى الريح

وحبات من الثلج على القلب

وحزن مثل أسواق العراق

مرة أخرى أمد القلب بالقرب من نهر الزقاق

مرة أخرى أحني نصف أقدام الكوابيس بقلبي

أضيء الشمع وحدي وأوافيهم على بعد

وما عدّنا رفاق

لم يعد يذكرني منذ اختلفنا أحد غير الطريق

 

 

 

 

"سجانٌ يمسك سجان"

دفع مظفر النواب ثمن التزامه بقضايا أمته سجنا وأحكاماً قضائية وصلت إلى الإعدام، وكانت أول الأخطار التي حدقت به عام 1963 ، حين تعرض الشيوعيون واليساريون لاعتقالات بعد الإطاحة بالرئيس عبد الكريم قاسم، فقرر النواب الهروب إلى إيران ومنها إلى الإتحاد السوفيتي السابق، لكن المخابرات الإيرانية ألقت القبض عليه وعذبته قبل أن تسلمه للسلطات العراقية، فحكمت عليه محكمة عراقية بالإعدام قبل أن يخفف الحكم إلى السجن المؤبد، لكنه استطاع رفقة غيره من اليساريين أن يحفروا نفقاً من الزنزانة وهربوا منه، ثم توارى عن الأنظار واستقر في منطقة الأهوار جنوب العراق إلى أن صدر عفو عن المعارضين عام 1969 فعاد إلى سلك التعليم الذي بدأ حياته فيه.

لكنه اعتقل مرة أخرى وأفرج عنه، فغادر العراق إلى بيروت ثم إلى دمشق التي استقر بها رغم تنقله بين العواصم العربية والأوروبية، فحريته التي حملها على رأسه وفي قلبه أينما توجه كانت دائماً في خطر، وهذا طبيعي لشاعر انحاز للشعوب ولم يسلم نظاماً عربياً من لسانه، إنها الحرية التي جعلته يتمنى لو أن نصيبه كنصيب الطير على ألا يكون تابعاً للسلطة :

 

 

سبحانك كلّ الأشياء رضيت سوى الذُّل

وأن يوضع قلبي في قفص في بيتِ السُلطانْ

وَقَنِعْتُ يَكونُ نَصيبي في الدُنيا كنصيبِ الطير

ولكنْ سُبحانَك حتى الطيرُ لها أوطانْ

وتَعوْدُ إليها

وأنا ما زِلّتُ أَطير

فهذا الوطن الممتد من البحرِ إلى البحر

سُجُوْنٌ مُتَلاصِقَة

سَجانٌ يُمْسِكُ سَجان...

 

في الرفض والتمرد كان سيد الجولات !

وهكذا، استطاع مظفر النواب أن يشكل حالة من الرفض للوضع القائم والتمرد على السلطة التي لم يكن يشعر بأن لها قيمة طالما أن فلسطين مسلوبة من أهلها :

القدس عروس عروبتكم

 

فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها ؟؟

 

ووقفتم تستمعون وراء الباب لصرخات بكارتها

 

وسحبتم كل خناجركم

 

وتنافختم شرفا

 

وصرختم فيها أن تسكت صونا للعرض

 

فما أشرفكم

 

وحتى في قصائد الغزل كان يستحضر القدس، ويبرز دمشق، كأن قلبه يرفض أي حب يلهيه عن عروبته :

ماذا سيحصل لو تحوّلنا إلى بلاد؟

أنا بغدادُ وأنت القدسُ،

يميل رأسي على كتفِك قليلاً

فتُزهِر دمشقُ ويستقيم العالم

 

ولعله من ضمن شعراء قلائل كانت قصائدهم عابرة للأجيال، ففي كل حدث عربي مؤلم، وفي كل نكبة أو انتكاسة جديدة أو مؤامرة تحاك لنا، تبرز قصائد مظفر دون سواه لتصبح لسان حال الناس :

لا نخدع ثانية بالمحور أو بالحلفاء

فالوطن الآن على مفترق الطرقات

وأقصد كل الوطن العربي

فإما وطن واحد أو وطن أشلاء

لكن مهما كان فلا تحتربوا

فالمرحلة الآن لبذل الجهد مع المخدوعين

وكشف وجوه الأعداء

 

وفي الحب تشهد له الصولات!

صحيح أنه لم يتزوج ولم ينجب، لكن المتتبع لقصائد مظفر النواب لا يحتاج لعناء كبير ليدرك أن الحب كان جزءاً أساسياً في حياته، ربما لأن من يعشق الأوطان لن يعرف لغة سوى الحب:

حبيبتي..

أشم زنديكِ العروسَين

وعقم الليل في فراشنا

والهَمسْ

أنا أرى باللمسْ

ماعاد غير اللمسْ

 

وبعيداً عن قصائده باللغة الفصحى، كان النواب أيضاً شاعر عامية لا يشق له حرف، وقد غناها العديد من الفنانين أبرزهم سعدون جابر الذي غنى قصيدة " مو حزن":

مو حزن لكن حزين

مثل ما تنقطع جوّا المطر

شتلة ياسمين

مو حزن لكن حزين

مثل صندوق العرس ينباع خردة عشق من تمضي السنين!

مو حزن لكن حزين

مثل بلبل قعد متاخر

لقى البستان كلها بليه تين

مو حزن..لا مو حزن

لكن احبك من كنت يا اسمر جنين!

بالإضافة إلى قصيدة "القدس عروس عروبتنا" التي أوردنا جزءاً منها فإن لشاعر القصيدة المهربة العديد من القصائد التي انتشرت على نطاق واسع ومنها : قمم قمم، وتريات ليلية، الرحلات القصية، المسلخ الدولي وباب الأبجدية، بحار البحارين، قراءة في دفتر المطر، الاتهام، بيان سياسي، رسالة حربية عاشقة، اللون الرمادي، في الحانة القديمة، جسر المباهج القديمة، ندامى، اللون الرمادي، أفضحهم، زرازير البراري، وصدر له العديد من المؤلفات ومنها : "للريل وحمد" و "الأعمال الشعرية الكاملة" و "بحار البحارين" و "حجام البريس" .

رحل مظفر النواب عن عمر يناهز 88 عاماً، تاركاً إرثاً من القصائد ستظل رائحته تفوح مثل "شتلة ياسمين" كلما أعاد التاريخ العربي نفسه، واعتقلت فيه الحرية واستبد الظلم، رحل في غربة ختم بها قصيدته "قراءة في دفتر المطر" التي كانت تذكرته الأولى نحو الشهرة:

لا تتركني فأنا وحدي

والناس هنا في غربة .

 

فيما كان آخر بيت قاله :

"متعبٌ مني

ولا أقوى على حملي .

قبل أن يحمله المحبون ليدفنوه في بغداد التي من خلالها كان يرى مآسي وأحزان عالمه العربي المتعب مثله والباحث عمن يحمله !