وداعاً.. وليهنأ كلٌ بفوزه!

"أنا لم أخسر أنا الرابح بكل تأكيد، لم تعد تهمني ثروتك، وزاد احتقاري للمال إذ هو الغاية، إنني أرثي لك أيها العابد مالاً، وأشكرك لأنك كنت سبب في حصولي على كنوز المعرفة".

كانت هذه الرسالة التي جاءت على لسان الفنان السوري المعروف، ياسر العظمة، نهاية واحدة من أعظم حلقات المسلسل الشهير "مرايا"، الذي يدخل فيه الفنان العظمة وصديقه في رهان حول الطريقة الأمثل لمحاكمة القاتل، إما بالحكم المؤبد أو الإعدام شنقاً حتى الموت.

ذلك الرهان يتحول فيما بعد إلى حقيقة تقتضي سجن العظمة في قبو لمدة خمسة عشر عاماً، مقابل حصوله على ثروة "صديقه المليونير"، وذلك كله في سياق يفضي مؤخراً إلى تفضيل العلم والمعرفة على حساب المال.

القصة من تأليف الروائي العالمي أنطون تشيخوف، وترجمها العظمة إلى صورة حية من الصعب وصفها، فتمضي الحلقة بدقائقها التي بمجرد أن يخلو بطل الحلقة، أي ياسر العظمة مع نفسه، فيبدأ بالغوص في بحر الكتب والثقافة والمعرفة، وتنتهي بقراءة المليونير (أسعد) للورقة التي تركها العظمة قبل أن يخرج من سجنه بـ 30 دقيقة فقط.  

فحوى الرسالة الذي كتبها ياسر، تركت صديقه يتفحصها بوجه غاضب وبائس، ويلوم حسرات الزمن ولعناته، وكيف أن هذا الفقير المعدم استطاع هزيمته بالقراءة والعقل والانفتاح على الثقافات الأخرى وهو قابع في قبو لا تدخله أشعة الشمس ولا حتى نور الفجر!

ولعلني أجد نفسي مشدوداً لرسالة العظمة، التي يقول فيها: "قبل انقضاء الوقت كله بنصف ساعة، قررت الانعتاق من سجني والانطلاق إلى الحياة فقيراً معدماً لا أملك من حطام الدنيا قشة واحدة ولا نصير لي فيها ولا معين".

يتابع: "إلا أنني خلال سجني لم أجد مؤنساً لي غير الكتاب، فأقبلت ألتهم الكتب التهاماً وكأنها غذائي وكسائي، وطعامي وشرابي، حلقت في قراءاتي بغياهب الكون وفي مجاهل الطبيعة وفي مختلف الأمصار والبقاع.. فإذ بي أطوف حول العالم وأصعد الجبال وأهبط الوديان وأتأمل صنع الله وأنا قابع في مكاني".

بعد عقد ونيف من الزمن على إنتاج هذه التحفة البصرية التي تركها الفنان للأجيال من بعده، يبقى السؤال الحائر لدى معظمنا: ما الأهم المال أم المعرفة؟ وأيهما أبقى العقل أم الثروة المادية؟

لن أضحك على نفسي وعليكم، وأدخل في جدل بيزنطي معكم حول مدى أهمية المال في حياتنا، وأننا من دونه لن نقوى على العيش وشراء ما نستطيب، لكنني أقدر أن اناقشكم بأهمية القراءة وتغذية العقول بها وكيف أنها السبيل لعيش الحياة بكافة أشكالها وأطيافها وتنوعها، وبجمالها وقبحها أيضاً.

إن أكثر الناس يمرون على هذه الحياة ويغادرونها دون أن يعرفوا أنفسهم، فهم لم يعتادوا العيش في خلوة مع أنفسهم، تلك الخلوة التي تبين للإنسان ذاته الحقيقية التي تبقى معه لأنها جوهره.

ورغم أنني لا أملك هذه الصفة، قد تكون هذه الحلقة هي أكبر دليل على أن الناس الذين يتقنون الصبر-غالباً- ينجحون في تغيير حياتهم ونظرتهم للأمور، ويحدثون فارقاً ولو بسيطاً على المدى البعيد.

وهذا حدث فعلاً عندما ختم العظمة حلقته، بالقول: "أنا الرابح بكل تأكيد.. وداعاً وليهنأ كلٌ بفوزه".