كُلٌ يُسر لما خلق له

لم يعجب عمر بن الخطاب (قبل إسلامه) استنكاف أخيه زيد بن الخطاب عن حضور مجلس القوم في دار الندوة والبحث في أمر "الدين الجديد"، رغم أن زيداً كان فارساً لا يُشق له غبار، لكنه لم يكن يجد نفسه في الاجتماعات والخطب وإبداء الرأي، وحين عاتبه عمر على غيابه قال له زيد قولته الشهيرة:"كلٌ يُسرِ لما خُلق له!".

ربما هذه واحدة من أعظم الثقافات التي علينا أن نتعلمها ونعمل بها، فلو آمنا جميعاً بأننا ميسرين للأشياء التي خلقنا من أجلها لتعاظمت الإنجازات، وكانت عبارة "الرجل المناسب في المكان المناسب" حقيقية، وليست مجرد مباركة نتداولها كلما تعين قريب أو صديق لنا بمنصب جديد، فرغم أن زيداً أكبر سناً من عمر، لكنه بكل بساطة اعترف بأنه لا يملك من الفصاحة والحجة ما يملكه أخيه، وعلى هذا الأساس ترك إبداء الرأي لمن هو أقدر منه وأثبت نفسه في المعارك وساحات البطولة!

حتى حين تتتبع سيرة حياة متعددي المواهب، ستجدهم أبدعوا في مجال أكثر من الآخر، في الأدب مثلاً أعجبني الطيب صالح روائياً ولم يعجبني قاصاً، وأدهشني محمد الماغوط كاتباً ساخراً ولم يعجبني شاعراً، وكذلك الحال مع أدباء كثر تخطوا حدود الإبداع في حقل أدبي معين وكانوا عاديين جداً في حقول أخرى!

كم من الأشخاص الذين حققوا نجاحات هائلة في القطاع الخاص والأعمال الحرة، ثم حين استلموا مناصب حكومية أو اندمجوا ضمن مؤسسات تعمل بروح الفريق كان مصيرهم الفشل، ربما لأنهم خُلقوا ليعملوا أحراراً ويبدعون وحيدين، أو ربما لأن العمل الإداري والرسمي لا يوافق تركيبتهم النفسية، بالمقابل؛ قد يحقق المسؤول أو العامل في القطاع الرسمي إنجازات ملموسة، لكنه حين يخرج من هذه الدائرة يكون مصيره الفشل، وكم من تراجع نعيشه اليوم في عالمنا العربي وعلى مختلف المستويات لأن أصحاب الاختصاص مبعدين عن مجالهم، أو أنهم يعملون في مجالات ليست لهم، ولأن عبارة "الرجل المناسب في المكان المناسب" صارت تستخدم للنفاق ليس إلا!

"كُلٌ يُسر لما خلق له"، فلا أنا أستطيع القيام بدورك، ولا أنت تستطيع ما أستطيعه، لك في الدنيا ما ليس لي، ولي فيها ما لن تناله، عدا عن كونها ثقافة ضرورية نحو التطوير، فهي ثقافة ضرورية أيضاً نحو الرضا!